270

"ناولني"، فناوله قدحا فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هنية، ثم رده ولم يشرب! فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول! (¬1)، وعلق الإمام أبو الفرج بن الجوزي على موقف الإمام أحمد رحمه الله قائلا: (هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه، وقد روينا عن سعيد بن المسيب: "أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى أهون من نفس ذباب"، وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل، لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يبتلى المرء على حسب دينه"، فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره) اه.

قال ابن طاهر المقدسي الحافظ:

سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول:

"عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت" (¬1).

إن الداعية الكبير الهمة لا ينكر المنكر فحسب، بل ينكر على أهل النكر منكرهم، أي أنه لا يعرف التعميم، ولا التورية إنه يمد أصبعه يشير إلى الطاغوت بالاتهام، ويرفع صوته يعلن فضيحة الكفر الذي أمامه، باسمه، ورقمه، وعنوانه، ثم لا يلبث الإصبع الواحد حتى تنفتح معه بقية الخمس، فتكون يد التغيير من بعد إصبع الاتهام (¬2).

Page 277