التسوية، فقد نظر أحد المشايخ الفضلاء في الحديث السابق في المبحث الرابع، الذي رواه بقية، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: " إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة ... "، وحين رأى بقية مصرحًا بالتحديث جعل الإسناد حسنًا عند المتابعة، من أجل الكلام في معاوية ابن يحيى، ثم ضم إليه طريقًا آخر إلى أبي الزناد، وحسن الحديث بالطريقين، ثم ضم إليهما متابعة ثالثة صحح بها الحديث.
والحديث ضعيف جدًا لا يصح، لكن الشاهد هنا أن طريق معاوية بن يحيى هذا قد ارتكب فيه بقية تدليس التسوية، فأسقط عباد بن كثير، بين معاوية وأبي الزناد، كما تقدم ذكره عن أبي حاتم، وعباد متروك الحديث.
الأمر الخامس: ينبغي أن يرتفع الخلاف في حكم رواية المدلس إذا جاءت روايته بصيغة عن، واحتف بذلك قرينة ترجح أن ذلك الحديث المعين مما دلَّسه وليس مما سمعه، فيحكم حينئذٍ للرواية بالانقطاع على جميع الأقوال، سواء كان المدلس مكثرًا من التدليس أو مقلًا منه، وسواء كان مكثرًا عن ذلك الشيخ الذي روى عنه أو مقلًا، وسواء كان وصفه بالتدليس قد جاء عن الأئمة في عموم رواياته أو في شيخ معين، يستوي في ذلك التدليس في مبدأ الإسناد، والتدليس في وسطه، وهو المعروف بتدليس التسوية.
وهكذا في جميع ما قيل: إن رواية المدلس محمولة على السماع حتى يتبين الانقطاع، فهذا التبين يعني ظهور قرينة تدل على الانقطاع، وعلى الباحث أن يجتهد في التحقق من وجود هذه القرينة أو عدم وجودها.