Al-Jughurāfiyā al-munākhiyya waʾl-nabātiyya
الجغرافيا المناخية والنباتية
Publisher
دار المعرفة الجامعية
Edition
الحادية عشرة
Genres
•Physical Geography
Regions
•Saudi Arabia
مقدمة
...
تقديم:
إلى جميع المشتغلين بتعليم الجغرافيا أو تعلمها أقدم هذا الكتاب راجيًا أن تكون له بعض الفائدة في دراسة "الجغرفيا المناخية والنباتية" التي تعتبر من غير شك فرعًا من أخطر وأدق فروع الجغرافيا الطبيعية، وقد حاولت عند تأليفه أن أحقق به هدفين أساسيين، أرجو أن أكون قد وفقت إلي تحقيق شيء منهما، وهما:
أولًا: أن يكون الكتاب مرجعًا يستفيد منه مدرس الجغرافيا والطالب الجامعي المتخصص، ولذلك فقد اجتهدت أن أضمنه كثيرًا من الحقائق والتفاصيل، وأناقش فيه أهم الآراء والنظريات الحديثة التي ظهرت في علم المناخ نفسه، بل وفي بعض العلوم الأخرى المتصلة به مثل علوم المتيورولوجيا والهيدرولوجيا والزراعة والنبات.
ثانيًا: أن يكون أسلوبه سهلًا بسيطًا، ومادته مشروحه شرحًا وافيًا وموضحة توضيحًا كافيًا بالخرائط والأشكال، حتى يستطيع القارئ غير المتخصص في الجغرافيا، أو الطالب الذي لا يتيسر له الحصول على توجيه أو مساعدة أن يعتمد على نفسه في دراسته وتفهم موضوعاته.
وأنني أشعر وأنا أقدم الطبعة الحادية عشرة من هذا الكتاب، بأنني وفقت بفضل الله وعونه إلى تحقيق معظم أهدافي، بدليل القبول الذي لقيه الكتاب من الجغرافيين في مختلف الجامعات العربية، مما شجعني على أن أدخل على طبعته هذه تعديلات جوهرية لإبقائه متمشيًا مع أحدث التطورات في مجال الدراسات المناخية المتخصصة، كما أضفت إليه فصلين عن مناخ إفريقيا ومناخ العالم العربي.
والله ولى التوفيق
عبد العزيز طريح شرف
1 / 5
الفكر المناخي
الفكر المناخي القديم
...
١- الفكر المناخي
١- ١- الفكر المناخي القديم:
لما كانت الظاهرات الجوية تؤثر في حياة الإنسان تأثيرًا مباشرًا وسريعًا فقد كان من الطبيعي أن يبدأ الإنسان منذ نشأته الأولى في التفكير في هذه الظاهرات، وخصوصًا الظاهرات العنيفة التي كانت تسبب له متاعب وخسائر كبيرة، مثل الأعاصير والعواصف الشديدة. وقد أخذ التفكير في هذه الظاهرات الجوية يتطور مع تطور الإنسان وتحضره، وظهرت في تفسير هذه الظاهرات أفكار متباينة بين أصحاب الحضارات القديمة التي عاشت منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وأهمها الحضارات المصرية والبابلية والآشورية والصينية والهندية. ولكن الأفكار التي سادت بين أصحاب هذه الحضارات كانت أفكارًا بدائية وغير مستندة على أي أسس علمية. وكانت تدور في الغالب حول تفسير بعض الظاهرات الجوية، وخصوصًا الظاهرات التي لها علاقة بالزراعة والهجرة والملبس والمأكل وغير ذلك من مظاهر الحياة.
أما التفكير العلمي في الظاهرات الجوية والمناخية فلم يبدأ إلا في عهد الحضارة اليونانية القديمة، وكان الفيلسوف اليوناني أرسطو من أبرز المفكرين الذين عالجوا موضوع المناخ، ففي سنة ٣٥ ق. م، ألف كتابًا أسماه "المتيورولوجيا Meteoroiogica" ودرس فيه بعض الظاهرات الجوية دارسة نظرية غير مبنية على القياس، وتكلم فيه عن الفصول وترتيبها على مدار السنة. وفي نفس الفترة تقريبًا كان الهنود يقومون بقياس الأمطار بواسطة أجهزة بسيطة ربما كانت هي أقدم أجهزة قياس المطر في العالم. ومنذ ذلك الوقت أيضًا كان للعرب نشاط تجاري بحري كبير. وقد ساعدهم هذا النشاط
1 / 9
على معرفة بعض خصائص حركات الرياح في البحار التي كانت سفنهم التجارية تبحر فيها، وأهمها المحيط الهندي وبحار شرقي آسيا، حتى إنهم عرفوا هبوب الرياح الموسمية وعنهم تعلمه اليونانيون عن طريق بعض ملاحيهم الذين اشتركوا في بعض الرحلات التجارية للعرب. ومما لا شك فيه أن العرب هم الذين أعطوا لهذه الرياح اسمها الذي أخذت منه كلمة monsoons الإنجليزية.
وفي هذه الفترة كان اليونانيون قد عرفوا دوائر العرض وعلاقتها بميل أشعة الشمس وما يترتب على ذلك من تناقص في درجة الحرارة من دائرة الاستواء نحو القطبين. ولهذا فقد قسموا العالم على أساس هذه الدوائر إلى خمسة نطاقات هي: النطاق الحار بين المدارين، والنطاقين المعتدلين بين المدارين والدائرتين القطبيتين، والنطاقين الباردين بين الدائرتين القطبيتين والقطبين. قد ظل هذا التقسيم هو السائد حتى أواخر القرن التاسع عشر.
الفكر المناخي منذ عصر النهضة الأوروبية
...
١- ٢- الفكر المناخي منذ عصر النهضة الأوربية:
في عصر النهضة الأوربية الحديثة "خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين" تقدم الفكر المناخي تقدمًا كبيرًا بفضل الكشوف الجغرافية الكبرى، واختراع بعض أجهزة الرصد الجوي الحديثة، وأهمها الترمومتر الذي اخترعه جاليلو سنة ١٥٩٣م والبارومتر الذي اخترعه تورشيلي سنة ١٦٤٣م. ونتيجة لهذا التقدم أمكن ملاحظة أن توزيع الأقاليم المناخية لا يتفق تمامًا مع دوائر العرض، وأن هناك عوامل أخرى تتدخل في توزيعها.
وفي نفس الوقت أفادت دراسات الجو والمناخ من التقدم الذي حدث في العلوم الأخرى ذات الصلة بهما، وخصوصًا في علوم الطبيعة وما تتضمنه من دراسات عن تركيب الغلاف الجوي وظاهراته المختلفة، مثل البرق والرعد والإشعاع الشمسي وغيرها. كما أفادت كذلك من التوسع في النشاط الملاحي بواسطة السفن الشراعية في مختلف البحار والمحيطات التي تم اكتشافها.
1 / 10
١- ٣- الفكر المناخي منذ أوائل القرن العشرين:
منذ أوائل هذا القرن، كان الاتجاه السائد في دراسة المناخ هو محاولة إيجاد تقسيمات مناخية عامة لسطح الكرة الأرضية اعتمادًا على الإحصاءات المناخية التي أخذت تتوفر لعناصر المناخ الرئيسية في بعض الدول، وعلى مظاهر الحياة النباتية الطبيعية التي يمكن الاستدلال بها على نوع المناخ في الأقاليم التي لا تتوفر فيها إحصاءات مناخية كافية، مثل الأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية الواسعة في العروض المدارية والأقاليم الواقعة في العروض القطبية، وكانت التقسيمات المناخية تعتمد في مراحلها الأولى على مقارنة المعدلات المناخية لعناصر المناخ دون التعمق في تحليلها لمعرفة اختلافاتها المحلية في مناطق صغيرة، أو معرفة القيم الفعلية لهذه العناصر ومدى تأثير كل منها في الآخر. وبمقتضى هذا الاتجاه أمكن وضع تقسيمات عامة لسطح الكرة الأرضية على أساس الاختلافات المناخية الرئيسية، ثم ظهرت على أساس هذه التقسيمات فكرة تقسيم العالم إلى أقاليم طبيعية، وهى الفكرة التي تبناها الجغرافي البريطاني هربرتسون Herbertson في سنة ١٩٠٥م.
وفي هذه المرحلة كان الاهتمام الرئيسي لعلماء المناخ هو توزيع المعدلات المناخية الحسابية على خريطة العالم أو خرائط القارات، ثم توصيل الأماكن التي تتساوى فيها المعدلات الشهرية أو السنوية بخطوط يطلق عليها بصفة عامة اسم "خطوط الظاهرات المتساوية Isopleths أو Isograms". ومن أشهرها خطوط الحرارة المتساوية Isopleths وخطوط الضغط المتساوي Isothars المطر المتساوي Isohyets وعلى أساس هذه الخطوط أمكن تقسيم سطح الكرة الأرضية إلى أقاليم حرارية ونطاقات للضغط الجوي والرياح، ثم تقسيمه في النهاية إلى أقاليم مناخية لكل منها صفات مناخية عامة مشتركة.
وقد تمخض هذا الاتجاه عن ظهور عدة تقسيمات مناخية لسطح الكرة الأرضية بعضها تقسيمات بسيطة تعتمد على توزيع درجة الحرارة وتوزيع الأمطار، وفيها تستخدم خطوط الحرارة المتساوية التي تمثل المعدلات الحرارية
1 / 11
عند مستوى سطح البحر كحدود عامة لهذه الأقاليم، ومثل هذه التقسيمات تصلح لدراسة مناخ القارات والأقاليم الكبرى دارسة مناخية عامة، ومثال ذلك التقسيم الذي اقترحه ديمارتون E.Demartonne في فرنسا سنة ١٩٥٢، والتقسيم الذي اقترحه أوستن ملر Austin Miller في بريطانيا سنة ١٩٣٦، والذي لا يختلف كثيرًا عن تقسيم ديمارتون.
وإلى جانب هذه التقسيمات البسيطة ظهرت تقسيمات أخرى أكثر تفصيلًا وتعقيدًا، ففي ألمانيا اقترح كوبن W.Koppen تقسيمًا ربط فيها بين التوزيع الفصلي لكل من عنصري الحرارة والأمطار من أجل تقدير شدة الجفاف وشدة الحرارة أو البرودة، وعلاقة هذا التوزيع بنوع الحياة النباتية الطبيعية.
وفي الولايات المتحدة اقترح ثورنثويت W.Thornthwaite في سنة ١٩٤٨ تقسيمًا مبنيًّا على حساب الميزانية التي تستخدم فيها معدلات الأمطار وما يضيع منها بالتبخر والنتح Evapotransiration، وحساب القيمة الفعلية لدرجة الحرارة. ويمثل هذا التطور في تصنيف الأنواع بداية للمرحلة الحديثة في دراسة المناخ.
وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لكل هذه التصنيفات فإنها لم تعد كافية لمسايرة التطورات الحديثة في دراسة المناخ، وهي التطورات التي فرضتها الحاجة المتزايدة إلى الاستفادة من دراسة المناخ في مختلف المجالات التطبيقية، وفي مختلف الدراسات العلمية الأخرى التي لها صلة بالمناخ، وذلك بعد أن أصبحت معظم الدراسات العلمية متشابكة بحيث لم يعد أي منها يستغني عن الآخر. فمما لا شك فيه أن الباحثين في علوم مثل علوم الزراعة، الحيوان والنبات، وهندسة المياه، وإيكولوجيا الأمراض، وحماية البيئة، وتخطيط المدن وغيرها، محتاجون جميعًا إلى أساس مناخي يتوقف على طبيعة كل علم منها وطبيعة الموضوع المطلوب دارسته، ومع ذلك فإن الربط بين المناخ وهذه العلوم كان حتى وقت قريب غير واضح بالصورة الكافية؛ لأن المناخ، كان يعالج غالبًا كعلم مستقل حتى عن بقية العلوم الجغرافية.
1 / 12
بعض الاتجاهات المعاصرة في الفكر المناخي
مدخل
...
١- ٤- بعض الاتجاهات المعاصرة في الفكر المناخي:
على الرغم من أن المناخ لم يسر في تطوره خلال النصف الأول من القرن العشرين بنفس السرعة التي سار بها علم المتيورولوجيا فقد أخذت البحوث المناخية تتقدم بسرعة منذ بداية النصف الثاني من هذا القرن وظهرت في علم البحوث اتجاهات حديثه أهمها:
١- دراسة القيمة الفعلية "أو التأثير الفعلي" لعناصر المناخ.
٢- دراسة تفاصيل المناخ بكل عناصره في أماكن محدودة، وظهور ما يعرف باسم "علم المناخ التفصيلي Micro Climatology ".
٣- دراسة دور المناخ في مظاهر النشاط البشري المختلفة فيما عرف باسم علم المناخ التطبيقي Applied Climatology.
٤- استخدام الأسلوب الكمي في معالجة العلاقات الزمنية والمكانية لعناصر المناخ مثل حساب معامل التغير والانحراف المعياري للتوزيع الشهري أو السنوي للأمطار وغير ذلك من العلاقات التي سنعالج بعضها عند دراسة الأمطار.
١- ٤- ١ دراسة القيمة الفعلية لعناصر المناخ:
رأى كثير من الباحثين، لا في علم المناخ وحده، بل وفي بعض العلوم الأخرى المتصلة به أن المعدلات المناخية التي تنشرها محطات الأرصاد كثيرًا ما تعطي صورة غير صحيحة لحقيقة العلاقة بين عناصر المناخ من جهة ومظاهر الحياة المختلفة فوق سطح الأرض من جهة أخرى. فمجرد معرفتنا لكمية الأمطار التي تسقط في مكان ما لا تفيدنا كثيرًا إلا إذا عرفنا القيمة الفعلية لهذه الكمية، فقد تتساوى كمية الأمطار التي تسقط سنويًّا في مكانين معينين، ولكن الأثر الذي تحدثه هذه الكمية قد يختلف في أحد المكانين اختلافًا واضحًا، عنه في المكان الآخر، ويرجع ذلك إلى أن الأمطار تخضع بعد سقوطها على سطح الأرض لعدة عوامل هي التي تحدد الفائدة التي يمكن للأنواع المختلفة من
1 / 13
الحيوان والنبات أن تحصل عليها منها، فجزء من هذه الأمطار يضيع بالتبخر عند انحداره فوق سطح الأرض أو تجمعه في المنخفضات والمجاري النهرية، وجزء آخر يتسرب في التربة وربما يصل إلى أعماق بعيدة يستحيل معها الاستفادة به، وجزء آخر ينحدر في مجاري الأنهار ويصل إلى البحر أو المحيط وتختلف المقادير التي تضيع من مياه الأمطار بسبب العوامل السابقة من منطقة إلى أخرى على حسب الظروف المحلية الخاصة بكل منطقة، خصوصًا ما يتعلق منها بدرجة الحرارة والتوزيع الفصلي للأمطار ونوع الرياح وخواص التربة وانحدار سطح الأرض، ويعتبر كوبن١ w. koppen الألماني من أشهر الباحثين الذين وجهوا النظر، منذ أوائل القرن الحالي، إلى ضرورة الاهتمام بتقدير القيمة الفعلية للأمطار عند دارسة المناخ.
وفي الولايات المتحدة تقدمت الدراسات المناخية على أسس رياضية على يد "Thornthwaite" الذي اقترح في سنة ١٩٤٨ تقسيمه المناخي المعروف الذي أصبح في الوقت الحاضر من أكثر التقسيمات المناخية الحديثة استخدامًا في مختلف جهات العالم. وقد بناه على أسس جديدة تعتمد على تحليل العلاقة بين الأمطار وما يضيع منها بالتبخر والنتح٢.
وما قيل عن الأمطار يمكن أن يقال كذلك عن درجة الحرارة، فليست جميع درجات الحرارة ذات قيمة واحدة من حيث أثرها في حياة النبات، فلكل نوع من أنواع النباتات حد أدنى وحد أعلى لدرجة الحرارة التي يستطيع أن ينمو فيها. كما أن سرعة نمو النبات قد تكون في درجة حرارة معينة أسرع منها في الدرجات الأخرى، ويحتاج كل نبات كذلك إلى مجموعة من الوحدات أو
١ koppen،W."Versuch einer Klassification"
Geogr.Zeitscher،vol.٦،١٩٠٠،pp.٩٦٣-٦٥٧
"Grundriss der Klimakunde"١٩٣١.
٢ Thornthwaite،C.W. "an Approach Towards arational
Classification of Climate" Geog.Rev. vol.٣٨،pp.٥٩-٩٣.
1 / 14
الدرجات الحرارية التي يجب توفرها خلال فصل النمو. ويعتبر الضوء عاملًا مساعدًا لدرجة الحرارة، بمعنى أن النبات الذي ينمو في منطقة ما قد يحتاج لكي يتم نموه ونضجه إلى كمية من الوحدات الحرارية أكبر مما يحتاج إليه نفس النبات لو كان نموه في منطقة أخرى نصيبها من ضوء الشمس أكبر من نصيب المنطقة الأولى، وذلك لأن ضوء الشمس يساعد عادة على زيادة سرعة نمو النبات.
وهذه الحقيقة مهمة جدًّا بالنسبة للزراعة في العروض العليا حيث يزداد طول النهار في فصل الصيف، وهو فصل النمو، كلما اقتربنا من الدائرة القطبية ويتزايد تبعًا لذلك مقدار ما تستفيده الأرض من ضوء الشمس. وقد ساعد هذا على نجاح زراعة بعض غلات المناطق المعتدلة مثل القمح في الأقاليم الباردة ويعتبر١ "B.E.Livingston" من أول الباحثين الذين كان لهم فضل توجيه النظر إلى ضرورة تقدير القيمة الفعلية لدرجات الحرارة المختلفة وتأثير كل منها في حياة النبات.
وهذا الاتجاه الحديث لتقدير التأثير الفعلي للعناصر المناخية قد فرض على الباحثين في علم المناخ أن يقووا صلتهم بالعلوم الأخرى، وأن يستفيدوا من النتائج العلمية التي يتوصل إليها غيرهم من الباحثين، خصوصًا في علم النبات والزراعة وهندسة المياه "الهيدرولوجيا"، وهكذا بدأ علم المناخ يوسع اختصاصاته وبدأت تستخدم في تعبيرات جديدة مثل القيمة الفعلية أو التأثير الفعلي للأمطار "Precipitation Effectiveness" والقيمة الفعلية أو التأثير الفعلي لدرجة الحرارة "Temperature Efficiency" والحرارة المتجمعة Accumulated "Temperature" وصفر النمو Zero point if Growth "والتبحر، والنتح" "Evapotranspiration"وهو ما يطلق عليه كذلك تعبير "التبخر الكلي".
١ Livingston، B.E."Study of Plant Growth in Relation to Climatic Condition"
Physical Review،vol،١٩١٦ pp.٣٩٩-٤٢٠.
1 / 15
١- ٤- ٢ علم المناخ التفصيلي Microclimatology:
في أواخر القرن التاسع عشر ظهر في ألمانيا نوع جديد من الدراسات المناخية التي فرضتها الحاجة الشديدة لمضاعفة استغلال الأراضي الزراعية حتى يمكنها أن تواجه التزايد المستمر في عدد السكان، فقد رأى بعض الباحثين وعلى رأسهم كرواس١ "Gregor Kraus" أن علم المناخ يمكنه أن يقدم خدمات كثيرة لهذا الاستغلال، ولكنهم لاحظوا أن الدراسات المناخية العامة التي تعتمد فقط على المعدلات التي تنشرها المراصد المختلفة كثيرًا ما تعطي صورة مشوهة لما هو موجود في الطبيعة فعلًا؛ لأن هذه المعدلات تهمل كثيرًا من التفاصيل المهمة التي قد تكون لها آثار عظيمة في حياة النباتات، كما أنها تهمل في معظم الأحيان مراعاة الظروف الجغرافية المحلية التي يكون لها أحيانًا أثر واضح في تنوع المناخ واختلافه من بقعة إلى أخرى في الإقليم الواحد، ولذلك فإن هذه الدراسات العامة لم تكن لها الفائدة المرجوة في الحياة العملية خصوصًا ما يتعلق منها بالاستغلال الاقتصادي للأرض، فالزارع مثلًا لا يهمه كثيرًا أن يعرف المعدلات الشهرية والسنوية للمطر أو درجة الحرارة في الإقليم الذي يعيش فيه بصفة عامة، بل إن الذي يهمه قبل كل شيء هو أن يعرف الظروف المحلية الخاصة بحقله، وهي الظروف الذي قد تجعل هذا الحقل مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن غيره من الحقول التي في نفس الإقليم، ويبدو هذا واضحًا بصفة خاصة في البلاد الجبلية التي تتعقد فيها مظاهر السطح حيث نجد مثلًا أن الجبل الواحد قد تتمثل عليه جميع أنواع المناخ تقريبًا، فبصرف النظر عن الحقيقة المشهورة الخاصة بتناقص درجة الحرارة كلما زاد الارتفاع، يلاحظ أن هناك فروقًا كبيرة جدًّا بين مناخ الجوانب المختلفة للجبل الواحد، ففي نصف الكرة الشمالي تكون الجوانب الجنوبية عادة أدفأ ونصيبها من أشعة الشمس أكبر من الجوانب الشمالية، كما أن النظام اليومي لدرجة الحرارة
١ Kraus، Cre "Boden and Kleinstem Raum"
jenz Fischer ١٩١١.
1 / 16
يختلف اختلافًا واضحًا من جانب إلى آخر، وذلك تبعًا لدرجة الميل التي تسقط بها أشعة الشمس على الأرض، واختلاف ساعات سقوطها على الجوانب المختلفة، ومن المعروف كذلك أن الجوانب المواجهة لهبوب الرياح المحملة ببخار الماء دائمًا أغزر مطرًا من الجوانب المضادة التي تقع فيها يعرف باسم "ظل المطر".
ولئن كان ارتفاع الجبال وشكلها يساعدان على خلق أنواع متباينة من المناخ، فإن هذا أيضًا شأن الوديان والمنخفضات فقاع الوادي يكون عادة أدفأ في أثناء النهار، من جوانبه، أما في أثناء الليل فيحدث العكس لأن الهواء البارد يميل دائمًا للهبوط بسبب ازدياد كثافته حيث يتجمع في قيعان الوديان والمنخفضات، ولهذا فان الحقول التي في هذه القيعان "في المناطق المعتدلة الباردة" تكون عادة أكثر تعرضًا لخطر الصقيع من الحقول التي على الجوانب المرتفعة، وهذه الحقيقة تبدو واضحة كذلك بالنسبة لمنحدرات الجبال، حيث تكون الأجزاء السفلى منها أبرد في أثناء الليل من الأجزاء العليا، وذلك على العكس مما هو معروف عمومًا عن تناقص درجة الحرارة بالارتفاع.
وليس من شك في أن الحياة النباتية التي تغطي سطح الأرض في بعض الأماكن ودرجة كثافتها لها كذلك تأثير ظاهر على المناخ، وهو تأثير ملطف في غالب الأحيان، ويكفي أن نشير إلى ما نلمسه في حياتنا العامة من فرق واضح بين مناخ المدن ومناخ الريف، ولو أننا يجب أن نلاحظ من ناحية أخرى أن ظروف المدن نفسها بما فيها من مبانٍ ومصانع وما ينتشر في جوها من أتربة ودخان ومواد عالقة، وفي منازلها من مواقد، كل ذلك له دخل كبير في إظهار الفرق بين مناخ المدن ومناخ الريف.
وليس ما ذكرناه هنا إلا أمثلة قليلة فقط للدور المهم الذي يمكن أن تلعبه الظروف المحلية في تنوع مظاهر المناخ وما يترتب على ذلك من تنوع في مظاهر الحياة المختلفة داخل المنطقة الواحدة، ولهذا فإننا نجد أن الجغرافيين أخذوا في
1 / 17