Al-ʿaqd al-manẓūm fī dhikr afāḍil al-rūm

العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم

Publisher

دار الكتاب العربي - بيروت

العقد المنظوم في ذكر افاضل الروم

بسم الله الرحمن الرحيم

يا من قدر الاجال وجعل لها مددا ودبر الامور واحصى كل شيء عددا صل على محمد خير من نطق بالصواب وأوتي الحكمة وفصل الخطاب وختم به الرسالة والكتاب ومن تبعه باحسان من الال والاصحاب وبعد فنحن نقص عليك احسن القصص والأخبار من تواريخ العلماء الكبار والمشايخ الاخيار الذين درجوا في زماني وشالت نعامتهم في عصري وأواني من الذين تبركت بصحبتهم او شرفت بمجرد رؤيتهم اسكنهم الله فراديس الجنان وأنزلهم بلطفه خير مستقر ومكان ويا عجبا من هذه البحور كيف وسعها اصداف القبور ومن هذه الجبال كيف واراها الال حتى لم يبق منها الا التصور والخيال وقصدت في ذلك الى احسن المسالك من اوفق العبارات وارشق الاشارات ولعمري ان ذلك يعد عند الاكثرين من تضييع الاوقات لان المعارف عندهم خرافات فانا قدانتهيت الى زمان يرون الادب عيبا ويعدون التضلع من الفنون ذنبا والى الله الحنان المشتكى من هذا الزمان قد سل سيف بغيه وعدوانه على من تحلى وتقدم على أقرانه واوفق نبله لكل ذي نبل ظاهر وشرف باهر فالتبس الدر بالزجاج واشتبه العذب بالاجاج وضاع ارباب الالباب كالذباب في الضباب فصارت المعارف طيف خيال او ضيفا على شرف ارتحال وضعف اساس العلم وبنيانه وتضعضعت اركانه وخمدت ناره وكاد ان تمحى آثاره

وكان سرير العلم صرحا ممردا

يناغي القباب السبع وهي عظام

متينا رفيعا لا يطار غرابه

عزيزا منيعا لا يكاد يرام

يلوح سني برق الهدى من بروجه

كبرق بدا بين السحاب يشام

فجرت عليه الرامسات ذيولها

فخرت عروش منه ثم دعام

محا الذاريات البوم آيات حسنه

فلم يبق منها آية ووسام

Page 333

ضعفت سواعد المساعدة وانحسمت مواد المواددة وذهب الحب في الله كامس الدابر وماله من قوة ولا ناصر وخلت الخلة عن الصدق والوفاء فلا ترى الا خليلا خليا عن الصفاء

(وقال) ابو فراس شارحا عن احوال الناس :

اقلب طرفي لا ارى غير صاحب

يميل مع النعماء حيث تميل

اكل خليل هكذا غير منصف

وكل زمان بالكرام بخيل

وان استندت الى ذي جاه وقدر من زيد وعمرو فأنت مرفوع الى الرأس ومحمول على الحدق وان كنت اعيا من باقل واحمق من هبنق وان عريت عن الاستناد فانت بمعزل عن الاعتداد وان كنت افصح من سحبان وائل وأبلغ من قس اياد :

والناس قد نبذوا وراء ظهورهم

غر الوجوه وزمرة السعداء

والأخرقون بقية من عزة

واولو النهى منبوذة بعراء

ويالله من تولية العبيد على الاحرار وتقدم الصغار على الكبار وكساد سوق الفضائل والمعالي واستئثار الوضيع على الماجد العالي وفشو اللؤم والوقاحة وقلة الكرم والسماحة بحيث لم يبق من يلتجأ الى بابه ويرتجى من جنابه وما اصدق الاديب العاصمي حيث قال وأبان عن هذه الاحوال :

تسل فليس في الدنيا كريم

يلوذ به صغير او كبير

فربع المجد ليس به انيس

وحزب الفضل ليس بهم نصير

ولا أحد من الأحرار إلا

كسير يد النوائب

وما دخلت على احد طالبا من رفده ونواله ومستدرا من شآبيب نبله وأفضاله الا وقدتذكرت في تلك اللحة ما قاله جحظة :

قوم احاول نيلهم فكأنني

حاولت نتف الشعر من آنافهم

قم فاسقنيها بالكبير وغنني

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

Page 334

الا ما ذ او ندر فإنه اعز من بيض الانوق والكبريت الاحمر وهذا هو الحق الصريح بلا مرا وما كان حديثا يفترى (لمؤلفه الحقير) :

خبا مصباح كل فتى ذكي

وفي مشكاتهم لم ألق نورا

وجل الناس في الاعراض عنهم

قليل من يكون لهم ظهيرا

وهذاما التجارب علمتني

فان تلك غافلا فاسأل خبيرا

الا تكدر الانهار من تكدر العيون فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون استولى عليهم التبجح والغرور واعمى القلوب التي في الصدور فتبع بعضهم بعضا وحاولوا ابراما ونقضا ولا شك ان الضرير اذا قاد الضرير وقعا معا في البير :

اذا التقى في حدب واحد

سبعون أعمى بمقادير

وصيروا بعضهم قائدا

فكلهم يسقط في البير

يا نفس قداطلت الكلام فعودي الى المرام وأقصري عن هذه الشكاية وارجعي الى ما أنت بصدده من الحكاية فان ذلك دأب الدهر وعادته فلا جرم شكا من كل زمان سادته قال الامام الشافعي :

محن الزمان كثيرة لاتنقضي

وسروره ياتيك كالاعياد

ملك الاكابر فاسترق رقابهم

وتراه رقا في يدالاوغاد

وغيره :

تطرق اهل الفضل دون الورى

مصائب الدنيا وآفاتها

كالطير لا يسجن من بينها

الا التي تطرب اصواتها

(وقال الحمدوني ) :

ما ازددت من ادب حرفا اسر به

الا تزيدت حرفا تحته شوم

Page 335

كذا المقدم في حذق بصنعته

انى توجه فيها فهو محروم

وسميت هذه الجريدة بالعقد المنظوم في ذكر افاضل الروم والمأمول ممن يطلع على كلماتي ان يغض الطرف عن عثراتي فان ذلك كلام من جربه الدهر بالبأس والبؤسى وجرعه سلافة الغموم كأسا فكأسا وما اصدق ابن عبد الكريم حيث يقول :

ولا المرء يبدي بالهموم فضيلة

ولا الشمس تبدو اذ يحول غمام

ومقدم هؤلاء السادة وواسطة هذه القلادة المولى عصام الدين ابو الخير احمد بن المولى مصلح الدين المشتهر بطاشكبري زاده

وكان المولى مصلح الدين المزبور من العلماء الاعيان توفي وهو مدرس باحدى المدارس الثمان بعد ما كان قاضيا بحلب ولما خلص المرحوم من ربقة الصبا فانتظم في سلك ارباب الحجر والحجا وفرق الغث عن السمين وميز الكاسد عن الثمين قام على اقدام الاقدام وشمر عن ساق الجد

والاهتمام في تحصيل المعارف والفضائل واتقان المقاصد والوسائل واشتغل على ابيه حتى ااز له برواية الحديث والتفسير راويا لهما على المولى خواجه أجاز عن المولى فخر الدين العجمي عن المولى حيدر عن المولى سعد الدين التفتازاني ثم قرا على المولى سيدي محمد القوجوي وصار ملازما له ثم قرأ على المولى محمود بن محمد بأن المشتهر بميرم جلبي وكمل عنده العلوم الرياضية ولما جاء الشيخ محمد التونسي المغوشي الى قسطنطينية قرأ عليه واشتغل لديه حتى اجاز له بأن يروي عنه التفسير والحديث وجميع ما يجوز اجازته ويصح روايته راويا عن الشيخ شهاب الدين احمد بن حجر العسقلاني ودرس اولا في مدرسة اروج باشا بقصبة ديموتوقه بخمسة وعشرين ثم مدرسة المولى محيي الدين ابن الحاج حسن قسطنطينية بثلاثين

Page 336

ثم اسحاقية اسكوب بأربعين ثم المدرسة القلندرية بالوظيفة المزبورة في مدينة قسطنطينية ثم في مدرسة مصطفى باشا في المدينة المزبروة بخمسين ثم نقل الى احدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه ثم عاد الى احدى المدارس الثمان ثم نقل الى مدرسة السلطان بايزيدخان في أدرنه ثم قلد قضاء بروسه سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ثم عاد الى احدى المدارس الثمان ثم قلد قضاء قسطنطينية فاشتغل في اجراء الاحكام الدينية الى ان عرضت له عارضة الرمد فاضرت عيناه وعميت كريمتاه فكان مصداق ما ورد في الاثر اذا جاء القضاء عمي البصر فاستعفى عن المنصب واستتاب عن سوالفه واشتغل بتبييض بعض تواليفه بينا هو في هذه الامور اذ ابتلى بمرض الباسور فنعي بقرب اجله وانصرام امله ولما تيقن اقاربه بموته تضرعوا ان يجعلهم في حل من تقصيرهم في خدمته فاحسن في الجواب واستملى هذا الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وله وصحبه اجمعين وعلى المشايخ الزاهدين وعلى الفقراء الصابرين وعلى الاغنياء الشاكرين وسلم عليهم سلاما الى يوم الحشر والدين ثم اني اشهدك وأشهد ملائكتك بأني عشت على ملة الاسلام وعذت عن البدعة في الدين وأرجو ان ألقاك بالاسلام في يوم الدين ثم ان اولادي واقربائي التمسوا مني ان اجعهلم في حل مما عملوا من الاساءة فيما وجب عليهم من رعاية حقي واني جعلتهم في حل ان عملوا في رعاية حقي فيما بعد ذلك والسلام على سيدالانام وصحبة الكرام فلما تم التحرير من لسان ذلك التحرير انقطع عن عالم الانس واتصل بحظائر القدس وقضى نحبه ولقي ربه روح الله روحه وزاد كل يوم فتوحه وذلك سنة ثمان وستين وتسعمائة وكان المولى المرحوم بحرا من المعارف

Page 337

والعلوم متسنما من الفضائل سنامها وغاربها مقيدا من المعاني شواردها وغرائبها وكان له اليد الطولى في تحرير المسائل وتصويرها وتدقيق المباحث وتنويرها تكل السنة الاقلام من افواه المحابر في ادائها وتقريرها ويكفيك آثاره المنيفة وتصانيفه الشريفة فمن رأى من السيف اثره فقد رأى اكثره وكان رحمه الله في جميع مباحثاته على النصفة والسداد راضيا بالحق عاريا عن المكابرة والعناد اذا احس من احد اللجاج والمنافسة امسك عن التكلم والمباحثة وكان رحمه الله قليل الرغبة في دنياه كثير التشمر في تحصيل زلفاه صارفا لجميع اوقاته في تحصيل العلوم وعباداته وحكي بعض من اثق بكلامه انه اشار يوما بيده الى لسانه وقال ان هذا فعل ما فعل من التقصير والزلل وصدر عنه ما صدر من الحق والغلط غير انه ما تكلم في طلب المناصب الدنيوية قط وكان يكتب خطا مليحا يرغب فيه مع كمال السرعة وقد كتب الكتب بخطه الشريف وقال واحد من اعيان تلاميذه حضرت طعامه ليلة من ليالي شهر رمضان وهو مدرس بالقلندرية وكان من عادته ان يدعو طلبته في كل ليلة من ليالي شهر رمضان فقال اني منذ توليت اسحاقية اسكوب جعلت لنفسي عادة وهي ان اكتب في كل سنة نسخة من تفسير البيضاوي وابيعها بثلاثة آلاف درهم وانفق ذلك المبلغ على طعام الطلبة في ليالي رمضان وسمعت من الثقات انه قال اتصلت ببعض المشايخ الصوفية وحصل لي بسببه الحمد لله تعالى بعض ما اشتاقه من نفائس السلوك وقداتفق لي انسلاخ كلي وفارقت بدني كل المفارقة فبينا انا على تلك الحالة اذ دخل وقت الظهر فقصدت التوضؤ للصلاة فلم اقدر على تحريك القالب واستعماله فيه حتى ذهب وقت الظهر ثم وقت العصر وانا على تلك الحالة ثم عدت على حالتي الاولى اللهم احشرنا في زمر الصالحين السالكين ولا تجعلنا في مهاوي الغفلة هالكين ذكر تواليفه منها الكتاب المسمى بالمعالم في علم الكلام وحاشية على حاشية التجريد للشريف الجرجاني من اول الكتاب الى مباحث الماهية جمع فيه مقالات المولى علي القوشي والمولى جلال الدين الدواني والمولى

Page 338

مير صدر الدين والمولى ابن الخطيب واداها بأخصر عبارة وأليق اشارة ثم ذكر ما خطر له من تحقيق المقام وتبيين المرام وشرح القسم الثالث من كتاب المفتاح وشرح الفوائد الغياثية وهو شرح حافل يتضمن الرد على بعض المواضع من شرح المفتاح وكتاب سماه بالشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية وقد جمعه بعد عماه وهو اول من تصدى له وكتاب ذكر فيه انواع العلوم وضروبها وموضوعاتها وما اشتهر من المصنفات في كل فن مع نبذ من تواريخ مصنفيها فجاء كتابا عزيزا غزير الفائدة وصنف كتابا كبيرا في التاريخ جمع فيه ما ذكره ابن خلكان واضاف اليه سير الصحابة والتابعين وغيرهم ثم اختصر منه مجلدا لطيفا وكتب حاشية من اول شرح المفتاح للشريف الجرجاني وادمج فيها كلمات ابيه المولى مصلح الدين ولم يتم وشرح العوامل من المختصرات وشرح ديباجة الهداية وديباجة الطوالع وله مختصر في علم النحو على منوال مختصر البيضاوي وكتب رسائل وحقق فيها كثيرا من المسائل المشكلة والمباحث المعضلة وبقي اكثرها في المسودة وما تيسر تبييضه تنيف على خمسة عشر منها صورة الخلاص في سورة الاخلاص الرسالة الجامعة لوصف العلوم النافعة مسالك الخلاص في مهالك الخواص اجل المواهب في معرفة وجوب الواجب نزهة الالحاظ في عدم وضع الالفاظ للالفاظ رسالة التعريف والاعلام في حل مشكلات الحد التام القواعد الحمليات في تحقيق مباحث الكليات فتح الامر المغلق في مسئلة المجهول المطلق رسالة في تفسير آية الوضوء رسالة في تفسير قوله تعالى هو الذي خلق لك ما في الارض جميعا وكان رحمه الله ينظم الشعر العربي وقد كتب الى بعض اصدقائه بعد عماه :

سقيت بسيط الارض في كل ساعة

بدمع جدرى في ذكر خير الاحبة

وصفحة خدي كالوشاح المفصل

بقطر دموع بين فانىء عبرة

وعيني عقيق بياقوت مقلة

وإنسان عيني عنبر فوق جمرة

حرمت من الاحباب لذة نظرة

فواحسرتا ان لم افق قبل موتتي

Page 339

ولا تجزعي يا نفس من نازل جرى

بتقدير خلاق إليه البرية

فإن الرضا والصبر في كل محنة

لمن اخلاق الصحاب النفوس الرضية

ولما كتب المفتي ابو السعود جزأ من تفسيره وارسله اليه كتب عليه هذه الابيات :

بنفسي جنابا حاز كل فضيلة

وصار لاظهار الحقيقة ضامنا

وايد روحا لقدس حسان طبعه

فجلى من الاسرار ما كان كامنا

ونافح عن عرض النبي تأدبا

ففي الحشر يلقاه من الخوف آمنا

بك الملة الزهراء اضحت منيرة

ففي الكوكب السيار قد صرت ثامنا

(غيره) :

ووصلت حمى نجد ايا ريح شمأل

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

فواأسفا رسم المدارس دارس

فهل عند رسم دارس من معول

ومنهم العالم الفاضل المولى يحيى بن نور الدين الشهير بكوسج الامين

كان ابوه من زمرة الامناء العثمانية وصار في عهدالسلطان بايزيدخان متوليا على الاخراجات الخاصة السلطانية واختار المرحوم من جودة طبعه وصفائه جادة العلم على طريقة آبائه فسلك مسلك التحصيل وذهب مذهب التكميل فاشتغل على أفاضل زمانه وأماثل أقرانه وصاحب الاعالي والاهالي حتى صار معيد الدرس المفتي علاء الدين الجمالي وتميز في خدمته حتى زوجه بابنته ثم درس في مدرسة قاسم باشا بمدينة بروسه المشتهرة بمدرسة الامير سلطان بخمسة وعشرين ثم مدرسة إبراهيم باشا بقسطنطينية بثلاثين ثم مدرسة يلدرم خان في بروسه باربعين ثم مدرسة احمد باشا بقصبة جورلي بخمسين ثم نقل الى مدرسة دار الحديث بأدرنه ثم الى احدى المدارس الثمان ثم الى المدرسة التي بناها السلطان سليمان بجوار جامع ايا صوفية ثم مدرسة السلطان مراد في مدينة بروسه ثم عاد الى احدى المدارس الثمان بستين ثم قلد قضاء بغداد ثم عزل عنه وعين له كل يوم ثمانون درهما بطريق التقاعد ولما بنى السلطان سليمان مدرسته بقسطنطينية

Page 340

وجعلها دار الاحاديث النبوية اعطاها المرحوم لاشتهاره بعلم الحديث وعين له كل يوم مائة درهم ثم اتفق انه اتهم ببيع الاعادة والملازمة واخذ الرشا على اعطاء الحجرات فبلغ ذلك الى السلطان فغضب عليه وعزله فاغتم له غما شديدا فلم يذهب كثير حتى توفي سنة ثمان ستين وتسعمائة وكان المرحوم من افاضل الروم صاحب اليد الطولى في الحديث والتفسير وعلوم الوعظ والتذكير وله باع واسع في فن المحاضرات والتواريخ والمحاورات وكان رحمه الله لذيذ الصحبة حلو المحاورة خاليا عن الكبر والخيلاء مختلطا بالمساكين والفقراء وبالجملة كان رحمه الله رجلا اكمل واتم الا ان فيه خصلة سميه يحيى بن أكثم الذي هو اول من صرح بالميل الى المرد الملاح ذوي الخدود الصباح وهو الذي قال وأبان عما في البال :

فاذا فاتك هذا

فعلى الدنيا سلام

عفا الله عن سيآتهما وضاعف حسناتهما.

ومنهم المولى محمود الايديني المعروف بخواجه قايني

كان ابوه من كبار القضاة الحاكمين في القصبات وطلب العلم وكتب وزير حتى صار ملازما للمولى بدر الدين الاصفر فاتفق له عطفة من الزمان حيث تزوج باخته المولى خير الدين معلم السلطان فعلت به كلمته وارتفعت مرتبته فقلد مدرسة جندبك بمدينة بروسه بعشرين ثم مدرسة يري باشا بقصبة سلوري بخمسة وعشرين ثم المدرسة الافضلية بقسطنطينية بثلاثين ثم صار وظيفته فيها اربعين ثم درس بالمدرسة الحلبية بادرنه ثم باحدى المدارس الثمان ثم قلد قضاء حلب ثم عزل ثم قلد قضاء مكة ثم عزل ثم اعيد اليها ثم عزل فقبل وصوله الى منزله ادركته منيته وانقطعت امنيته بقصبة اسكدار سنة ثمان وستين وتسعمائة وكان المرحوم خلوقا بشوشا حليم النفس لا يتأذى منه احد رحمه الله الصمد

ومنهم المولى مصلح الدين

كان رحمه الله من قصبة نيكسار فخرج بعد بلوغه الى سن البلوغ طالبا

Page 341

للعلم من هذه الديار فدار البلاد واشتغل واستفاد حتى انتظم في سلك ارباب الاستعداد وصل الى خدمة المولى محيي الدين الفناري فاشتغل عليه مدة وحصل من العلوم عدة ثم وصل الى خدمة المولى محمد باشا فاجتهد في التحصيل والاستفادة حتى اذا انتقل المولى المزبور الى احدى المدرستين المتجاورتين بادرنه عينه لخدمة الاعادة ثم درس في مدرسة صاروجه باشا بقصبة كليبولي بعشرين ثم مدرسة الامير احمد الادرنوي بقصبة واردار بخمسة وعشرين ثم المدرسة الحجرية بادرنه بثلاثين ثم مدرسة يري باشا باربعين ثم مدرسة احمد باشا بقصبة جورلي بخمسين ثم نقل الى مدرسة مغنيسا فاشتغل فيها وافاد حتى ولي قضاء بغداد وفوض اليه الفتوى بهذه الديار وعين له من بيت المال كل سنة ألف وخمسمائة دينار وهو اول متولي بقضاء بغدان من قبل سلاطين آل عثمان فشرع في اجراء الشرع المبين وأقام بها ست سنين فنال فيها مانال من صنوف الامتعة والاموال ثم عزل وبقي في التعطل والهوان ثم اعطي مدرسة السلطان مراد خان بينا هو في تهيئة الاهب اذ قلد قضاء حلب ولم يمكث شهرين في حلب المحروسة حتى جاءت له البشرى بقضاء بروسه ثم قلد قضاء ادرنه ثم قسطنطينية المحمية ثم عزل وعين له كل يوم مائة درهم وحسبت مدة قضائه فبلغت عشرين سنة ثم اعطي له دار الحديث التي بناها السلطان سليمان بقسطنطينية وزيد في وظيفته ثلاثون فدام على المدارسة والمذاكرة حتى توفي سنة تسع وستين وتسعمائة ويحكى انه قصد ان يتوضا لصلاة الصبح فبينا هو في اثنائه اذ اتاه ذلك الامر العظيم وألم به الخطب الجسيم وكان رحمه الله معروفا بالعلم والصلاح يرى عليه آثار الفوز والفلاج متقشفا في اللباس متخشعا في معاملة الناس وكان مهيب المنظر ولطيف المخبر حسن المناظرة طيب المعاشرة وكان رحمه الله لذيذ الصحبة حسن النادرة ومن كلامه رحمه الله مثلنا مع حواشينا مثل الشمع الموقد بين اظهر قوم فانهم مستضيئون به ومنتفعون بنوره والشمع منتقص في كل وقت وفان ومتداع الى الخزي والخسران ولا يخفى ان كلامه هذا اشبه قول الامام الغزالي فقهاؤنا

Page 342