ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
المعاني الغيبية ، بل الاتصاف بالصفات الإلهية ، بل التحقق بالله بعد الفناء فيه لا الثواب كما زعمت.
( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) أي : لما اطمأنت النفس واستقرت القوى أمكنك قبول المعاني وتلقي الغيب ، الذي نهيتك عن السؤال عنه حتى أحدث لك منه ذكرا فسأذكر لك ، وأنبئك بتأويل هذه الأمور إذا استعددت لقبول المعاني والمعارف.
( أما السفينة فكانت لمساكين ) (1) في بحر الهيولي أي : القوى البدنية من الحواس الظاهرة والقوى الطبيعية النباتية ، وإنما سماها مساكين ؛ لدوام سكونها وملازمتها لتراب البدن ، وضعفها عن ممانعة القلب في السلوك والاستيلاء عليه كسائر القوى الحيوانية.
وحكي أنهم كانوا عشرة إخوة خمسة منهم زمنى ، وخمسة يعملون في البحر ، وذلك إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة.
( فأردت أن أعيبها ) بالرياضة ؛ لئلا يأخذها ملك النفس الأمارة غصبا ، وهو الملك الذي كان وراءهم أي : قدامهم ( يأخذ كل سفينة غصبا ) بالغواشي البدنية أو القلب الذي مات ، أو قتل قبل الكمال باستيلاء النفس في المدنية البدن.
( وكان تحته كنز لهما ) أي : كنز المعرفة التي لا تحصل إلا بهما في مقام القلب ، لا مكان اجتماع جميع الكليات والجزئيات فيه بالفعل وقت الكمال ، وهو حال بلوغ الأشد واستخراج ذلك الكنز.
وقال بعض أهل الظاهر من المفسرين : كان الكنز صحفا فيها علم.
( وكان أبوهما ) على كلا التأويلين ( صالحا ).
وقيل : كان أبا أعلى لهما ، حفظهما الله له فعلى هذا لا يكون إلا روح القدس.
وقوله تعالى : ( آتيناه رحمة من عندنا ) ولاية وقرا ومشاهدة ( وعلمناه من لدنا علما ) معرفة كاملة ، وعلما من علومه المجهولة الغيبية التي مكتومة عن كثير من الأخيار ، وهو علم اللدني الخاص الذي استأثره الله لنفسه ، والخواص خواصه ، وذلك العلم حكم الغيب على صورة مجهولة حقائقها مقرونة بمنافع الخلق ، وهذا يتعلق بعلم عالم الأفعال التي براهينها لاستحكام العبودية.
Page 434