936

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

( ينشر لكم ربكم من رحمته ) حياة حقيقية بالعلم والمعرفة ( ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) كما لا ينتفع به بظهور الفضائل ، وطلوع أنوار التجليات ، فتتلذذون بالمشاهدات ، وتتمتعون بالكمالات.

كما قال تعالى : ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) [الأنعام : 122].

وقال صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه : «من أراد أن ينظر ميتا يمشي على وجه الأرض ، فلينظر أبا بكر» (1) أي : ميتا عن نفسه يمشي بالله ، ( وإذ اعتزلتموهم ) قومكم ومعبوداتهم غير الله من مطالبهم المختلفة ومقاصدهم المتشتتة ، وأهوائهم المتفننة ، وأصنامهم المتخذة ( فأووا ) إلى كهوف أبدانكم ، وامتنعوا عن فضول الحركات والخروج في أثر الشهوات ، واعكفوا على الرياضات ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) زيادة كمال وتقوية ، ونصرة بالإمداد الملكوتية والتأييدات القدسية ، فيغلبكم عليهم ( ويهيئ لكم ) دينا وطريقا ينتفع به ، وقبولا يهتدي بكم الخلائق ناجين ، وفي الاوي إلى الكهف عند مفارقتهم سر آخر يفهم من دخول المهدي في الغار إذا خرج ونزل عيسى عليه السلام ، والله أعلم.

وفي نشر الرحمة وتهيئة المرفق من أمرهم عند الاوى إلى الكهف إشارة إلى أن رحمته الكاملة في استعدادهم ، إنما تنشر بالتعلق البدني والكمال بتهيئته.

قال سبحانه : ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ) الإشارة في الحقائق أنه أخفاهم في كهف الأسرار ، وأجلسهم في متسع الأنوار ، وأشهدهم مشاهدة الجمال ، وآواهم سناء الجمال ، ووقاهم من سطوات أنوار شمس العزة والعظمة والكبرياء التي تطلع من مشرق القدم ، وتغرب في مغرب الأبد ؛ لئلا يحترقوا في أنوار عين الألوهية ، ويفنوا في سلطان إشراق سبحات الكبرياء ، ولا يطلعوا على ذخائر غيوب البقاء ؛ كأنه تعالى رباهم في مشاهدته بنور جماله ، وحفظهم عن قهر كنه قدمه ؛ لئلا يتلاشوا في عزة جلاله ، ويبقى معه بنعت الصحو والبقاء ، ولولا ذلك الفضل العميم لو لم يبقوا في استعلان أنوار وحدانيته بأقل من لمحة رعاهم بنفسه عن نفسه ؛ لإدراك العلم بنفسه هم في فجوة الوصال ، وشمس الكبرياء ، تزاور عن كهف قربهم ذات اليمين الأزل ، وذات الشمال الأبد.

Page 406