ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
كئوس شراب البلاء على وصف التداني حتى لا يغلب عليه بحر البلية ؛ فيغرقه ويلقيه إلى بحر الشكوى ، صبرت على بعض الأذى خوف كله ، ودافعت عن نفسي ؛ فغرت وجرعتها المكروه حتى تدربت ، ولو جملة جرعتها لا شمأزت ، وأيضا الصبر الجميل ما يكون بالله قاله : ( وما صبرك إلا بالله ).
قال الجنيد : الصبر الجميل أن يجعل ابتداؤه وانتهاؤه لا يبتدئ فيه بتحير ، ولا يقطعه بدعوى بل يمضي في جميع أوقاته على رؤية من إكرامه الصبر.
قال بعضهم : الصبر الجميل الذي ليس فيه إظهار الشكوى ، ولا إحساس بلوى ، ولما ثقل عليه أوقات البلاء ضاق صدره من معاشرة الخلق ، وأقبل على الله ، وشكا منه عليه بقوله تعالى : ( وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ) أسفه كان على رب يوسف عليه السلام لأنه رأى من يوسف عليه السلام جمال رب يوسف عليه السلام بواسطة يوسف عليه السلام ؛ فلما غاب عنه وفقده تغلل كتمانا على الحقيقة ، وقال : ( يا أسفى على يوسف )، وهذا كحال الخليل عليه السلام حين اشتاق إلى ربه فتعلل بقوله : ( أرني كيف تحي الموتى ) وأراد بذلك رؤية المحيي ، ومثل هذا احتيال العاشقين تولى عنهم إذ لم يرى ما يرى في يوسف عليه السلام عنهم ، وقال : يا أسفى على مرآة الله في بلاد الله تذكر أيام بالوصال ، وظهور أنوار الجمال ، وتأسف بالفراق والانفصال بعد الاتصال.
سقى الله أياما لنا ولياليا
مضت فجرت من ذكرهن دموع
( وابيضت عيناه من الحزن ) علق ذهاب البصر إلى الحزن ، وذهابه كان من فقدان ذلك الجمال بكى حتى ذهب بصره بألا يرى غير حبيبه.
لما تيقنت أني لست أبصركم
غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد
ولما رأى سبحانه دعوى يعقوب بالصبر الجميل زاد حمل بلائه على بلائه حتى ضاق صدره عن حمل وارد قهر القدم ، وخرج بعجز البشرية ، وقال : ( يا أسفى على يوسف )؛ لأنه تعالى غيور ولا يذر أحدا من التمكين إلا ناقصا عن موازات طوارق أقدار الأزل.
ألا ترى إلى قول من قال : من صبر اجتوى ، ومن شكر ابتدى ، ومن ذكر افترى ، ما أعجز الحدثان في ظل نور عظمة الرحمن.
قال الجنيد : في قوله : ( وتولى عنهم ) أعرض عنهم لما لم يجد من عندهم الفرح ولم يوفيهم مشتكي لشكواه ، وقال : ( يا أسفى على يوسف ) فلم يترك في هذا النفس الوجد له نفسا حتى أوحي إليه أتأسي على غيرنا ، أين ذلك الصبر الجميل الذي وعدتنا من نفسك ،
Page 193