ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
دونها ستر
وأيضا : غارت على يوسف حتى لا يرى أحد أسرارهما ، فغلقت الأبواب ، كذا ينبغي للعاشق.
قال الشبلي في قوله : ( وغلقت الأبواب ) (1): قطعت الأسباب وجمعت الهمة عليه ، ثم غلب على يوسف عليه السلام قدس النبوة فامتنع من مراودتها بقوله : ( قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) أي : ربي سبحانه وتعالى أحسن مثواي في الاصطفائية الأزلية ، واختارني بالرسالة والنبوة ، وعلمني من تأويل الأحاديث ، وألبسني لباس حاله الذي هو يوجب أن ينظر إليها بنعت الهيبة والإجلال ، هذا سيد السادات ، وسيد الظاهر ، أحسن مثواي ؛ بأن اختارني لاخرته لا لدنياه ، وأحسن مثواه في قلبك بنعت محبة الله ، فلا ينبغي لك أن تنظر إلا بمحبة الله.
قيل : لما نظر في ترك المعصية إلى صاحبه وولي نعمته الأدنى ، ولم ينظر إلى ربه وولي نعمته الأعلى ، عوقب بالهم حتى قال : ( همت به وهم بها ).
وقال بعضهم : برؤية الهمة امتنع من الفتنة.
قال الأستاذ : إنه أكرمني مولاي تعالى ؛ حيث خلقني من الحب ، وجعل في قلب العزيز لي محلا ، فقال لي : ( أكرمي مثواه )، فقال : لا ينبغي أن أقدم على عصيانه ، وقد أفردني بجميل إحسانه.
ثم أخبر سبحانه عن جذب مغناطيس الهم بعضها بعضا من سر حقيقة العشق الإلهي والروحاني والإنساني والطبيعي والفطري والجوهري ، التي معادنها من عالم الربوبية أفعالا وصفاتا وذاتا بقوله : ( ولقد همت به وهم بها )، خالص الحقيقة في هذا المعنى في تلك الهمتين ، إن همة زليخا سبقت على همة يوسف عليه السلام ، وحسن يوسف عليه السلام سبق بجذب قلب زليخا وهمتها إلى معدنه ؛ لأن عشق زليخا وحسن يوسف صفتان صادرتان من المعدنيين الأزليين ، وهما صفة جمال القدم ومحبة الأزل ، فلما هاجت همة زليخا بعد انجذاب قلبها إلى معدن عشق يوسف عليه السلام هاجت أيضا همة يوسف عليه السلام إلى أهلية عشقها وحسنها وهمتها ، فصارت الهمتان بعضها من بعض ، فهاجت همة الجوهر إلى الجوهر ، والفطرة إلى الفطرة ،
Page 160