409

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
Empires & Eras
ʿAbbāsids

الخلق ، لكن أدخل عشاق الملائكة في مقام المحبة والعشق فتجلى لهم بنور جماله من مرآة وجه آدم عليه السلام ؛ ليفتر قلوبهم بلذة المحبة والعشق ، ولو أبرز لهم أنوار صفاته وذاته صرفا احترقوا في أول ما بدا من نور الألوهية ، ولم يسجد إبليس لأنه كان محجوبا من ذلك الجلال والجمال بنظرة إلى نفسه وقياسه بجهله ، وكذا من نظر من الحق إلى النفس احتجب بها عن رب النفس.

قوله : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) أي : لم يكن من أهل شهود الصفات ورؤية جلال الذات.

قال أبو حفص : عرف الملائكة استغناءه عن عبادتهم ، قال : ( اسجدوا لآدم )، ولو كان سجودهم يزن عنده مثقال ذرة لما أمرهم بذلك ولا صرف وجوههم إلى آدم عليه السلام ، قال : سجود الملائكة وجميع خلقه لا يزيد في ملكه ؛ لأنه عزيز قبل أن خلقهم ، وعزيز بعد أن يفنيهم ، وعزيز حين يبعثهم ، ثم غير إبليس بامتناعه عن السجود لآدم عليه السلام وقلة عرفانه ، شرفه بقوله : ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) أي : أي شيء يمنعك من متابعة أمري ، ولم يبق في البين غيري ، أي : يمنعك من ذلك قهر سابق مني عليك ، وخذلان وارد في المشيئة عليك ، وإلا فمن الحدثان بامتناعها عن متابعة أمري ، وليس لها قدرة ولا مشيئة ، وكلها عاجزة في قبضة قهري ، ومن سبق له الشفاء لا يسبق بالمراد ، وإن كان جميع عبادة الثقلين مصحوبا معه في استباقه إلى الحضرة.

قال الواسطي : من استصحب كل نسك في الدنيا والآخرة والجهل فطنه ، والاعتراض عرضه ، والبعد من الله سببه ، لا يقرب منه ؛ لأن العبادات تقطع عن الرعايات ورؤية النسك رؤية الأفعال والنفوس ، ولا متوثب على الله أشد ممن طالع نفسه بعين الرضا ، فلما كلم الله إبليس بكلام التعبير وقهر السلطنة ألبسه من خطابه قدرة في الجواب ، ولولا إلباس الحق إياه لكان مبهوتا عند وارد قهر الخطاب عليه ، ولم ينطق بجواب الأمر ولكن أجابه إجبارا لا اختيارا ، وذلك قوله تعالى : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ). لما رأى المعلون لباس قهر خطاب الحق عليه قال بقوته : ( أنا )، ولولا ذلك لما قال : ( أنا )، وأين أنائيته وكان هباء في أنائية الحق ، نظر المعلون إلى جوهر النار الصادر من قهر العدم فانتسب إلى قهر القدم ، قال : ( أنا خير منه )، ولم ينظر بنظر المعرفة إلى الطين الذي صدر من لطف القدم ورحمة الأزلية ، النار من غضبه ، والطين من رحمته ، والرحمة سابقة على الغضب ؛ لقوله سبحانه : «سبقت رحمتي غضبي» (1).

Page 419