212

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Genres

قال القاسم : الإيمان أنوار الحق إذا اشتملت على السريرة ، وهو أن يغيب العبد تحت أنواره ، ويبدو له نجم الاحتراق فيغيبه عن وساوس الافتراق ، فيكون مصحوب الحق في أوقاته ، لا يشعر بتسخيره ، ولا يعلم بحجابه ، وإنما حجب الكل بالكل ، وحجب كلا بكليته ، وقمع كلا بحده ، لئلا يستوي علم أحد مع علمه ، فهذا هو صريح الإيمان.

وقوله تعالى : ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) أي : اغفر قصور معرفتنا بك فإنه أعظم الذنوب ؛ حيث نطلب معرفة القدم بالحدث ، وكيف يكون مقارنة القديم بالمحدث ، ( وكفر عنا سيئاتنا ) أي : تجاوز بكرمك عن كل خاطر يشير إلى غيرك بعد ما وجدنا حلاوة وصلتك ، ( وتوفنا مع الأبرار ) أي : توفنا مع الذين أنعمت عليهم بكشف مشاهدتك لهم ، وإيقاع محبتك في قلوبهم ، واستشواقك من صميم أسرارهم إلى جمالك ، واكتسابهم بكسوة رضا القديم ، حتى وقفوا معك بشرك الرضا في كل بلائك وامتحانك.

قال الشيخ أبو عبد الرحمن : مع من رضيت ظاهرهم للخلق ، وباطنهم لك.

وقيل : ( الأبرار ): هم القائمون على حد التفريد والتوحيد.

وقال سهل : الأبرار هم المتمسكون بالسنة.

وقال بعضهم : هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق.

قوله تعالى : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي : نحن احترقنا بنيران محبتك ، فأرونا بحسن مشاهدتك التي وعدت رسولك بقولك : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [يونس : 26] ، وأيضا ( وآتنا ما وعدتنا ) بلسان رسلك ، إن من اتبعهم تعطيه محبتك وسنيات آياتك وكراماتك ؛ حيث قلت : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ).

وقوله تعالى : ( ولا تخزنا يوم القيامة ) أي : لا تحجبنا بنعمتك عنك ؛ حيث يشتغل أهل الفريقين بأنفسهم ، وهذا الدعاء من المعرفة تنزيه الأزلية عن الحدوثية ، واستغناء الربوبية عن العبودية ، حتى لو يحرق جميع الأنبياء والمرسلين ، لا يبالي بهم ، ولا تنقص من ملك جلاله ذرة لك ، عرفوا ما سبق لهم من حسن العناية ، فستزادوا تواتر الأنعام ؛ حيث تسلى الحق سبحانه قلوب الخائفين القانتين في رؤية العظمة ، بقوله : «سبقت رحمتي غضبي» (1).

Page 222