ʿarāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال بعضهم : أوصى الله العوام ببر الوالدين لما لهما عليه من نعمة التربية والحفظ ، فمن حفظ وصية الله في الأبوين وفقته بركة ذلك لحفظ حرمات الله تعالى ، وكذلك رعاية الأوامر والمحافظة عليها توصل بركاتها بصاحبها إلى محل الرضا والأنس.
وقوله تعالى : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ): وصف الله الصديقين في طرفين من أعمارهم أنهم في عنفوان شبابهم ، وأشد أسنانهم أهل الاجتهاد والرغبة في الطاعات ، وفي أربعين سنة هم أهل الكمال في العقول والفهوم والاستعداد لقبول الوحي والإلهام والكلام والكشف والعيان ، ألا ترى كيف عرف شأنه الصديق رضي الله عنه حين بلغ أربعين سنة في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في أول شبابه بما أخبر الله عنه بقوله : ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ): ألهمني رشد التوفيق ، وألبس قلبي ولساني نور عرفانك وقوة فيض مشاهدتك ، أشكر بهما نعمة مشاهدتك ومعرفتك وصحبة رسولك ؛ فإنه أعظم النعم منك علي وعلى والدي.
قال ابن عطاء : خاطب الله الأنبياء ، وبعثهم عند كمال الأوصاف وتمام العقول ، وهو الوقت الذي أخبر الله تعالى عن تمام خلقه عباده ، ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة. )
وقال سهل في قوله : ( رب أوزعني ) أي : ألهمني التوبة والعمل بالطاعة.
وقوله تعالى : ( وأن أعمل صالحا ترضاه ): العمل الصالح المقرون بالرضا بذل النفس لله والخروج مما سوى الله للوصول إلى مشاهدة الله.
قال سهل : العمل المرضي ما كان أوائله على الإخلاص مقيدا باتباع السنن.
قوله تعالى : ( وأصلح لي في ذريتي ): اجعلهم أولياءك وأهل معرفتك وطاعتك.
قال سهل : اجعلهم لي خلف صدق ، ولك عبيد حق.
وقال محمد بن علي : لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا.
( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29))
قوله تعالى : ( فلما حضروه قالوا أنصتوا ): وصف الله أهل معرفته من الجن كيف حبست ألسنتهم هيبة الخطاب وحشمة المشاهدة ، وهكذا من ألبس أنوار الهيبة والعظمة يخرس لسانه عن الانبساط والمخاطبة وإفشاء السر ، وهذا بعد شهود القلوب أنوار الغيوب بنعت إصغاء الأسرار إلى وقوع الخطاب وكشف النقاب.
قال محمد بن سليمان : ليس في مقام الحضرة إلا الخمول والذبول والسكون تحت
Page 300