ʿarāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
جعل المؤمنين بعضهم في بعض شفعاء.
( إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55))
قوله تعالى : ( إن المتقين في مقام أمين ) (1) أي : إن المفردين عن الأكوان وما فيها بنعت التجريد والتوحيد والتبري من غير الله واستحسانه في محبة الله بعين الرغبة فيه هم في مقام وصلة الحق ، حين لا يجري عليهم اضطراب الفراق ، ولا يحجبهم غير الحق في مقام الأشواق ، آمنين منه به حين ألبسهم أنوار كماله وجلاله وجماله.
قال جعفر الصادق : كانوا في الدنيا على خوف العذاب ووجل الفراق وذلك مقام المتقين في الدنيا ، فأورثهم ذلك أمانا وأمنا أن يسلب ذلك منهم.
وقال أيضا : المقام الأمين وصلة الجبار.
وقال بعضهم : المقام الأمين مجالسة الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء.
( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57))
قوله تعالى : ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ): افهم يا فهم لو تدرك حقائق أمور المعارف لا تتهمني بالجهل فيما أقول لك ؛ فإن الموت الأصلي هو العدم ، وكيف يموت من أوجده الحق بنور القدم ، الموتة الأولى هي عدمهم قبل وجودهم ، فبعد الوجود لا يكون القدم بالحقيقة ، إنما يجري عليهم أطوار فنون امتحانات الحق كالذهب ساعة في طين ، وساعة في نار ، وساعة في بوتقة ، وساعة في سواد ، وساعة في بياض حتى يعود إلى ما خرج من المعدن ، فأطوار الخليقة إلى الأبد في تقلبها بقاء في بقاء ، وكيف يفنى بالحقيقة من أوجده الحق من مكمن الغيب إلى قضاء ربوبيته ، فإذا أحضرهم في ساحة كبريائه ويتجلى لهم بالبداهة من عين الجبارية والقهارية يكونون في محل الفناء وفي فناء الفناء من عليات سطوات ألوهيته ، فإذا صاروا فانين ألبسهم الله لباس بقائه ؛ فيبقون ببقائه أبد الآبدين ، فإذا الاستثناء وقع على
Page 290