1366

ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān

عرائس البيان في حقائق القرآن

Regions
Iran
•
Empires & Eras
ʿAbbāsids

أكون طيرا من ملك البلابل ، أصفر بصفير الصفات ، وأترنم من بطنان غيب الذات ، سكران من رؤية الذات ، والها بالصفات ، ووالها من شراب الصفات ، مشغوفا بسنا الذات ، ثم أفنى في الذات ، وأبقى في الصفات ، ولا يجري علي بعد ذلك طوارق الفناء ؛ فأبقى بقاء الأبدي ، وأتدارك ما فات مني من المعية القدمية مع القدم ؛ فإن الآخر بالحقيقة أول ، والأول آخر ، والظاهر باطن ، والباطن ظاهر ، فنحن الأولون حيث قام الحق بأوليته مقام أوليتنا وإن كنا معدومين ، ونحن الآخرون من حيث ألبسنا الحق وصف بقائه ، ونحن الظاهرون بظهوره علينا ، ونحن أهل الباطن والغيب ؛ إذ لا غيب في الكشف ، ولا باطن في الظهور ، تعالى الله من أن يدركه بوصفه غيره ، رزق الله هذه المراتب العلية والمواهب السنية من آمن بنا ، وبكل ولي صدر من بساتين الغيب ، ومشارب القرب الذي يتكلمون بمثل هذه الكلمات البديهية الإلهية الربانية ، كما قال سبحانه : ( يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ): قوي باصطفائيتهم مما اختار لهم في أزله إلى أبده.

قال ابن عطاء في قوله : ( الله لطيف بعباده ): يعلم من أنفسهم ما لا يعلمونه من نفوسهم ، فربط كلا بحده ، فمن بقي مع حده حجب ، ومن تجاوز حده هلك.

قال أبو سليمان الداراني : من لطف الله بعبده أن قصر له كنه معرفته حتى لا تتكدر عليه نعماؤه.

وقال الجنيد : اللطيف الذي لطف بأوليائه حتى عرفوه.

وقال ابن عطاء : اللطيف الذي يعرف الغيوب بلا دليل.

قال بعضهم : اللطيف الذي ينسى العباد في الآخرة ذنوبهم لئلا يتشردوا.

وقال بعضهم : الذي لم يدع أحدا يقف على مائة أسمائه فكيف الوقوف على مائة وصفه وذاته؟!

وقال أبو سعيد الخراز في قوله : ( الله لطيف بعباده ): موجود في الظاهر والباطن ، والأشياء كلها موجودة به ، لكن يوجد ذكره في قلب العبد مرة ، ويفقده مرة ؛ ليجدد بذلك افتقاره إليه.

وقال القاسم في قوله : ( يرزق من يشاء ): الفطنة والحكمة ، ( وهو القوي العزيز ): القوي يقوي الفطن ، والعزيز عزز عنايته ورعايته ، ولا يبذلها لكل أحد.

قال الأستاذ : اللطيف هو العالم بدقائق الرموز وغوامضها.

( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من

Page 265