ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
أكون طيرا من ملك البلابل ، أصفر بصفير الصفات ، وأترنم من بطنان غيب الذات ، سكران من رؤية الذات ، والها بالصفات ، ووالها من شراب الصفات ، مشغوفا بسنا الذات ، ثم أفنى في الذات ، وأبقى في الصفات ، ولا يجري علي بعد ذلك طوارق الفناء ؛ فأبقى بقاء الأبدي ، وأتدارك ما فات مني من المعية القدمية مع القدم ؛ فإن الآخر بالحقيقة أول ، والأول آخر ، والظاهر باطن ، والباطن ظاهر ، فنحن الأولون حيث قام الحق بأوليته مقام أوليتنا وإن كنا معدومين ، ونحن الآخرون من حيث ألبسنا الحق وصف بقائه ، ونحن الظاهرون بظهوره علينا ، ونحن أهل الباطن والغيب ؛ إذ لا غيب في الكشف ، ولا باطن في الظهور ، تعالى الله من أن يدركه بوصفه غيره ، رزق الله هذه المراتب العلية والمواهب السنية من آمن بنا ، وبكل ولي صدر من بساتين الغيب ، ومشارب القرب الذي يتكلمون بمثل هذه الكلمات البديهية الإلهية الربانية ، كما قال سبحانه : ( يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ): قوي باصطفائيتهم مما اختار لهم في أزله إلى أبده.
قال ابن عطاء في قوله : ( الله لطيف بعباده ): يعلم من أنفسهم ما لا يعلمونه من نفوسهم ، فربط كلا بحده ، فمن بقي مع حده حجب ، ومن تجاوز حده هلك.
قال أبو سليمان الداراني : من لطف الله بعبده أن قصر له كنه معرفته حتى لا تتكدر عليه نعماؤه.
وقال الجنيد : اللطيف الذي لطف بأوليائه حتى عرفوه.
وقال ابن عطاء : اللطيف الذي يعرف الغيوب بلا دليل.
قال بعضهم : اللطيف الذي ينسى العباد في الآخرة ذنوبهم لئلا يتشردوا.
وقال بعضهم : الذي لم يدع أحدا يقف على مائة أسمائه فكيف الوقوف على مائة وصفه وذاته؟!
وقال أبو سعيد الخراز في قوله : ( الله لطيف بعباده ): موجود في الظاهر والباطن ، والأشياء كلها موجودة به ، لكن يوجد ذكره في قلب العبد مرة ، ويفقده مرة ؛ ليجدد بذلك افتقاره إليه.
وقال القاسم في قوله : ( يرزق من يشاء ): الفطنة والحكمة ، ( وهو القوي العزيز ): القوي يقوي الفطن ، والعزيز عزز عنايته ورعايته ، ولا يبذلها لكل أحد.
قال الأستاذ : اللطيف هو العالم بدقائق الرموز وغوامضها.
( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من
Page 265