ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
والحدثان ، فرفعوا أبصارهم عنها ، ولم يستحسنوها في ديوان المعرفة من النظر إلى الخلق والخليقة ، وقالوا : ( ربنا الله ) أي : يكفينا الله من كل ما سواه ، استقاموا بالله لله في الله ؛ فإن عين الألوهية تحرق مطالعيها من العرش إلى الثرى ، فإذا أراد الله استقامة المستقيمين من أهل شهوده ألبسهم أنوار بقائه وصمديته ، فيسبحون بنور البقاء في بحار الأزليات الأبديات.
قال ابن عطاء : استقاموا على إفراد القلب بالله.
وقال أيضا : استقاموا على المشاهدة ؛ لأن من عرف الله شيئا لا يهاب غيره ، ولا يطالع سواه ، فتركوا المنازعة والاعتراض مع الحق.
سئل الشبلي عن هذه الآية ، فقال : ( قالوا ربنا الله ) هو خالقنا ، فاستقاموا معه على بساط المعرفة ، وداموا بأسرارهم على سرير الجنة ، ( تتنزل عليهم الملائكة ) بانقطاع المدة ( ألا تخافوا ) من دار الهوان ، ( ولا تحزنوا ) على ما فاتكم من دار الامتحان ، ( وأبشروا ) (1) بدوام النعيم ، وهو لقاء الله تعالى الذي ليس بعده بؤس ولا شدة.
صدق الشيخ في هذا التفسير ، وعجبت ممن استقام مع الله في مشاهدته وإدراك جماله كيف يطيق الملائكة أن يبشروه ، أين الملك والفلك بين الحبيب والمحب ليس وراء بشارة الحق بشارة ، فإن بشارة الحق سمعوها قبل بشارة الملائكة في نداء الأزل بقوله : ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة )، ليس لهم خوف القطيعة ، ولا لهم حزن الحجاب ، وهم في بشر مشاهدة الجبار ، قول الملائكة معهم تشريف للملائكة ههنا ؛ لأنهم يحتاجون إلى مخاطبة القوم ، وهم أحباؤنا في نسب المعرفة من حيث الحقيقة ألا ترى كيف سجدوا أبانا قال الله تعالى : ( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة )، هم أحباؤنا ، ونحن أحباء الله ، والله تعالى أحبنا في الأزل ، واختارنا بالمعرفة والمشاهدة.
قال جعفر : من لاحظ في أعماله الثواب والأعواض كانت الملائكة أولياؤه ، ومن تحقق في أفعاله وعملها على مشاهدة أمرها فهو وليه ؛ لأنه يقول : ( الله ولي الذين آمنوا. )
قال الأستاذ : استقاموا على دواء الشهود وعلى انفراد القلب بالله.
( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33))
Page 248