ʿArāʾis al-bayān fī ḥaqāʾiq al-Qurʾān
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : ( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108)) (1) أخبر الله سبحانه عن كشف العظمة والكبرياء والسلطنة للقدم ، فهناك مقام فناء الأرواح والأشباح بنعت الخمود والخشوع فلا حيلة لهم هناك للخروج من تحت غواشي ضباب العزة ؛ لأن الحوادث مضمحلة عند بروز أنوار سطوات الألوهية ، فإذا ذهب طوفان بحار العظمة ويطلع عليهم زبرقان (2) الجمال من مشرق الجلال فيبقوا ببقائه ويفيقوا من صعقاتهم ويجيبوا الله ويسمعوا منه فالأول مقام الفناء والاخر مقام البقاء.
قال الواسطي : وهل كانت إلا خاشعة في الأول وهل يكون إلا خاشعة في الأبد فالاقتحام في حال الوجود بالتوثب والمنازعة ووقاحة الوجه ورعونة الطبع ؛ لأنها لم تكن وهي إذا كانت كأنها لم تكن.
وقال الجنيد : كيف لا تخشع وقد كشف الغطاء وأبدي الخفاء فلهيبة الموقف وحياء الجنايات خشعت أصواتهم وذلت رقابهم ثم أخبر عن ذهاب صولات العظمة وإقبال كشف الحال بقوله : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ) من رضي الله عنه في الأزل واختاره باصطفائيته وحسن عنايته ، ورضي عن قوله في دعواه في الدنيا بمحبته ، ومعرفته مقرون بالصدق والإخلاص ، وله لسان الولاية بإذن الله ، يهب الله له بشفاعته ، ولو شفع لجميع الكفرة ، فإنه لا يرد مكان خاصية إرادته القديمة ، وهناك تبيين صدق الصادقين ودعوى المدعين.
قال الواسطي : لا تنفع الشفاعة إلا لمن لا ينسب إلى نفسه شيئا ، ولا يرى نعته فإذا عاين نعته نسى الأول ، وإذا ظهر عليه رضوانه ذهب ما دونه ، ثم أخبر عن كمال جلاله وعز قدمه وبقاء ديموميته التي تقاصرت الأوهام عن إدراكها وفنيت العقول عن الإشارة إليها بقوله : ( ولا يحيطون به علما (110)) كيف يحيط الحدث بالقدم والحدث فاني الوجود في كشف وجود الحق والفاني لا يدرك الباقي إلا بالباقي ، وإذا أدرك الباقي بالباقي لا يبلغ إلى ذرة من كمال الأزلية ؛ لأن الإحاطة بوجوده مستحيلة من كل الوجوه صفات وذاتا وسرا وحقيقة يا عارف كيف تدعي معرفة من لا تدركه معرفة كل عارف ، فإن معرفة كل عارف
Page 502