Al-ʿanāwīn al-fiqhiyya

العناوين الفقهية

Editor

مؤسسة النشر الإسلامي

Edition

الأولى

Publication Year

1417 AH

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أحمدك على ما ألهمتني سبل السعادة، وأصلي واسلم على نبيك محمد خير من نهض بالرسالة [واستقام في العبادة (1) وعلى آله المخصوصين بالولاية خير أئمة وسادة، وأشهد أن لا إله إلا أنت شهادة تؤدي حق الشهادة] (2).

وبعد فهذه عناوين الأصول المتلقاة التي أمرنا أن نفرع عليها، وقوانين الفصول التي ينبغي أن يستند إليها، حررناها امتثالا لأمر الملك (3) المنان، وقضاءا لحق الأخوان من أهل الأيمان، مراعيا في ذلك كلمة الأصحاب (4) [الذين هم أهل الديار، المتصلون بأهل بيت الحكمة والأسرار] (5) راجيا من الله أن يجعلها كلمة باقية، وتعيها اذن واعية.

Page 17

عناوين المشتركات في أبواب الفقه (العنوان الأول) (في اشتراك التكليف)

Page 19

عنوان NoteV01P020N01 إذا ثبت حكم لأحد المكلفين بخطاب لفظي أو بغيره مفيد للعموم أولا فهل القاعدة تقضي (1) باشتراك سائر المكلفين معه في ذلك الحكم، أولا؟

وهذه من المسائل التي تغلب الحاجة إليها في الفروع، إذ معظم الأدلة لم يرد بعنوان قضية كلية [حتى] (2) تشمل الأحوال والأزمان والأشخاص، بل وردت في وقائع خاصة دعت الحاجة للمكلفين على السؤال عنها، فلا عموم فيها. ولا ينفع في ذلك القول بعموم الخطابات الشفاهية - كما ذهب إليه جملة (3) من المحدثين - لأنه أخص من المدعى، إذ في الخطابات ما ورد مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله وما ورد مختصا بأهل البيت عليهم السلام وما ورد مختصا بالمؤمنين، أو بالمسلمين، أو بالرجال دون الإناث، وما ورد مختصا بشخص واحد في ظاهر اللفظ كلفظ (افعل) و (افعلي) مما يختص بواحد، كما لا يخفى على المتتبع في الروايات (4) بل الخطابات العامة التي يدعى شمولها للكل أقل قليل في الباب بالنسبة إلى غيرها،

Page 20

مع أن الحق عدم العموم في الخطابات الشفاهية (1) - على ما قرر في الأصول - بل القائل بالعموم (2) خارج عن محل النزاع، كما يظهر للمتأمل.

والحق أن الأصل هو الاشتراك، ولنا على ذلك وجوه:

أحدها: أنه قد قرر في محله عدم خلو الواقعة المحتاج إليها عن الحكم بمقتضى الأخبار ومصير الأخيار واعتضاد العقل السليم، فإذا ثبت لأحد في واقعة حكم فينبغي ثبوته لغيره أيضا في تلك الواقعة، لعدم إمكان الخلو، واستلزام الحكم الجديد تعدد الجعل والتشريع المشكوك فيه، فالأصل يقضي بعدمه. وهذا في صورة كون الحكم المجعول إباحة لا كلام فيه، لوضوح توقف جعل حكم غيرها على أمر جديد منفي بالأصل.

وليس لأحد أن يقول: عموم الإباحة - أيضا - مستلزم لجعل متعدد.

لأنا نقول: يلزم ذلك لو لم تكن الإباحة مجعولة بجعل عام، والمفروض ثبوته فيها، فالدخول تحتها لا يحتاج إلى حادث جديد بخلاف الخروج عنها.

وكذا لو كان غير الإباحة، وانتفى احتمال الإباحة في غير مورد الدليل، فإن امتناع جعل الحكمين المتضادين بجعل واحد وأصالة عدم جعل آخر يقتضي الاشتراك.

وأما في صورة احتمال الإباحة في غيره فنقول أيضا: جعل الإباحة لغيره أمر مشكوك، والأصل عدمه، وعموم دليل الإباحة غير نافع بعد خروج الواقعة عنها في الجملة، ولا ندري أن ذلك على الإطلاق أو لا.

اللهم إلا أن يقال بالاقتصار على القدر المتيقن من مورد الدليل، والتمسك في محل الشك بأصالة البراءة. ويمكن دفعه بإثبات الاشتراك هنا بعدم القول بالفصل، وفيه كلامان:

Page 21

أحدهما: منع حجيته بضميمة الأصل.

وثانيهما: إمكان قلبه بإثبات عدم الاشتراك هنا بالأصل، وإلحاق غيره به بعدم القول بالفصل. ويندفع بضعف الأول، وعدم مقاومة الأصل الحكمي للأصل الموضوعي، فتأمل.

قيل: على القول بجواز خلو الواقعة عن الحكم لا يتم هذا الوجه، لأصالة عدم الحكم في غيره.

قلنا: أولا لا نسلم القول بخلو الواقعة عن الحكم في مثل الفرض، إذ القائلون به أرادوا خلو الواقعة عنه بالمرة. وأما ثبوته فيها لبعض وخلوها عنه لآخرين فهذا لم نجد من صرح بذلك، فهو منفي بالإجماع المركب.

وثانيا نقول: كما يحتمل تعلق الحكم على الواحد مختصا فكذلك يحتمل تعلقه عليها في ضمن الكل بجعل واحد، فنفي أحدهما بالأصل غير ممكن.

وثالثا نقول: محل البحث الاشتراك في الأحكام في قبال التغاير، لا في مقابل عدم الحكم كما في أفعال البهائم وغير المكلفين، فالخلو عن الحكم خارج عن محل النزاع حقيقة ، فلا وجه لإدراجه فيه.

الثاني: الاستصحاب، وتقريره: أن الحكم إذا ثبت لواحد أو لجماعة في زمان وشك (1) في زوال ذلك الحكم بزوال هؤلاء باحتمال كونهم قيدا فيه، وعدمه باحتمال كونهم موردا، إذ الفرض عدم دليل على الاختصاص فمقتضى (2) الاستصحاب بقاء الحكم المجعول، فيلزم من ذلك تعلقه بمن سيجئ بعدهم أيضا، إذ لا معنى لبقاء الشريعة والأحكام إلا جريانها في المتجددين من أهل التكليف، وعلى هذا مدار استصحاب الأديان.

ودعوى: أن بقاءها على حسب ما ثبت فيه من الموضوع، ساقطة بما مر من التقرير.

Page 22

قيل (1): هذا أخص من المدعى، لعدم استلزامه ثبوت الحكم للمعاصرين لمن ثبت الحكم في حقه، وكذا لجميع من يلحقه في الوجود، لكفاية تكليف واحد من اللاحقين به في بقاء الحكم، فلا يفيد عموم الاشتراك.

قلنا: يتم الكلام في غير ذلك:

أولا: بعدم القول بالفرق.

وثانيا: بعدم تعيين ذلك من الشرع، كما هو الفرض. فالمتجه العموم.

وثالثا: بعدم إمكان الترجيح بلا مرجح، وظهور عدم الفارق.

الثالث: ظهور اتفاق الأصحاب على ذلك، كما يشهد به استدلالهم بالخطابات الخاصة في إثبات عموم الحكم خلفا بعد سلف. وليس ذلك لقولهم بعموم الخطاب الشفاهي قطعا، لتصريح الأكثر في الكتب الأصولية بعدم العموم، ولتمسكهم بما لا يجئ فيه احتمال العموم. وبهما يندفع ما قيل: إنه لو لم يكن لعموم الخطاب لزمهم التنبيه على دليل الاشتراك، إذ هو العمدة، لمعارضته أولا بما مر، واندفاعه ثانيا باتكالهم على الضرورة أو القاعدة. وهذا مؤيد آخر للاشتراك، فإن سكوتهم عن إقامة الحجة عليه كاشف عن كونه ضروري الدين.

قيل (2): لو كان أصحابنا مجمعين على ذلك لما اختلفوا في وجوب صلاة الجمعة ونحوه من الفروع.

قلنا: ليس ذلك لمنع الاشتراك، بل لاحتمالهم كونه مشروطا بوجود الأمام أو نائبه الخاص، وورود الإطلاق مورد الغالب من كون المخاطبين واجدين للشرط (3) غالبا أو مطلقا، عملا بالظاهر، إذ الاشتراك فرع اتحاد نوع الواقعة وصنفها (4) بالنظر إلى التكليف وشرائطه. الرابع: الإجماعات المحكية في موارد متعددة على أصالة الاشتراك عدد التواتر.

Page 23

الخامس: تنقيح المناط القطعي نظرا إلى أن الأحكام التابعة للمفاسد والمصالح النفس الأمرية لا تختلف بحسب أفراد المكلفين، للزوم دفع المضرة وجلب المنفعة اللازمة على الكل.

قيل: المفروض تبعيتها للوجوه والاعتبار، ولعل للخصوصية مدخلية.

قلنا: قد قرر أن الوجوه والاعتبار يراد بها ما عدا خصوصيات المكلفين من حيث هم كذلك، لأنها أشخاص مختلفة لا يدور مدارها الأمور النفس الأمرية، بل مدارها على المفاهيم العامة، كالمريض والصحيح، والمسافر والحاضر، ونحو ذلك من الصفات اللاحقة للمكلفين أو اللاحقة للأفعال. وأما مع اتحاد ذلك كله فخصوص زيد وعمرو لا دخل لها في ذلك.

قيل: هذا ينتقض بخصائص النبي صلى الله عليه وآله.

قلنا: لا نسلم كون الخصائص لشخصه، بل إنما هو لعنوان كلي، غايته انحصار ذلك في الفرد الواحد، ولو وجد له نظائر في ذلك العنوان لاشترك معه في ذلك.

قيل: فلعل في كل مقام اعتبر هناك خصوصية.

قلنا: الأصل عدم اعتبارها في الحكم إلا أن يقوم دليل عليه، إذ الاحتمال لا ينفع.

ودليلنا على ذلك: طريقة العقلاء، فإنا نراهم إذا وجدوا رجلا فعل فعلا فتضرر به، أو فعل فعلا انتفع به انتفاعا لازما، فإنهم يجتنبون عن الأول، ويرتكبون الثاني ولو مع الشك، ولا يلتفتون إلى أن ذلك لعله لخصوصية في ذلك الرجل لا نعرفها، فتبصر.

السادس: الاستقراء، فأنا وجدنا أغلب التكاليف والأحكام مشتركة بين المكلفين كافة، ولم نجد الفرق إلا في مقامات نادرة، فإذا شك في الاشتراك والعدم فينبغي الإلحاق بالغالب.

السابع: إطباق أهل الأديان كافة على الأخذ بما يصل إليهم ممن سبقهم من الموجودين أو السامعين، من دون سؤال عن أن ذلك هل كان لخصوصية هناك أو

Page 24

لا؟ ولا ريب أن ذلك لما انغرس في أذهانهم من كون التكليف الثابت عاما لكل مكلف، ولا مدخلية للخصوصيات. وهذا كاشف عن كون الواقع كذلك وإن لم نعرف مأخذه.

الثامن: ما دل على لزوم التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام من آية أو رواية، وما دل على حجية فعلهم عليهم السلام إذ ليس ذلك إلا لمشاركة الرعية معهم في ذلك.

قيل: هذا أخص من المطلوب.

قلنا: يتم بوجهين:

أحدهما: عدم القول بالفرق.

وثانيهما: أن اشتراكنا معهم مع وجود أمارة الاختصاص فيهم ووجود بعض الخواص بهم بحيث يحتمل كون المشكوك فيه من ذلك يدل على اشتراك بعضنا مع بعض بالأولوية.

التاسع: الخبر المعروف: (حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد صلى الله عليه وآله حرام إلى يوم القيامة) (1).

قيل: لعل معناه: بقاء الحكمين بالنسبة إلى من ثبت في حقه.

قلنا: بعد موته لا معنى لبقاء الحل والحرمة بالنسبة إليه.

قيل: لعل المراد: لو فرض بقاؤه إلى يوم القيامة.

قلنا: هذا فرض نادر لا يراد من العبارة، والمتبادر خلافه، إذ الظاهر بقاء أحكام الشرع، وتكليف كل من يتجدد من الناس بذلك.

قيل: لا يشمل غير الحكمين. قلنا: ظاهر الحلال مطلق المأذون فيه، فيشمل غير الحرمة سيما مع مقابلته بها، مع أنه يمكن الإتمام بعدم القول بالفصل.

Page 25

العاشر: قوله صلى الله عليه وآله: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) (1).

قيل: لعل المراد: جماعة خاصة.

قلنا: لا ريب أن المتبادر من العبارة كون الحكم على البعض الحكم على الكل، وهو الحجة.

الحادي عشر: رواية أبي عمرو الزبيري (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في باب الجهاد: (حكم الله عز وجل في الأولين والآخرين وفرائضه عليهم سواء، إلا من علة أو حادث يكون، والأولون والآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء، والفرائض عليهم واحدة، يسئل الآخرون عن أداء الفرائض كما يسئل عنه الأولون، ويحاسبون به كما يحاسبون به) (3). ووجه الدلالة، لو أريد من الخبر جنس الأول والاخر واضح.

نعم، في افراد الأول يجئ احتمال عدم الشمول، لكن العرف يدفعه.

وإذا أريد الاستغراق فيكون دالا على اشتراك كل فرد من الأول مع كل فرد من الاخر، وهذا يستلزم اشتراك الأولين بعضهم مع بعض أيضا، لأن الفرد من الأولين يشاركه كل من الآخرين، وكل من الأولين يشاركهم في ذلك، فيشترك الكل.

قيل: لا يشمل ما لو ثبت الحكم لواحد من الأولين خاصة، فلا يدل على اشتراك الآخرين معه، لاحتمال إرادته في ضمن العموم، لا وحده.

قلت: ظاهر الاستغراق عدم ارتباط الواحد بالكل.

الثاني عشر: قوله تعالى: لأنذركم به ومن بلغ (4) وهذا يدل على أن الغائب كالحاضر في الحكم وإن لم يشاركه في الخطاب.

Page 26

الثالث عشر: قوله صلى الله عليه وآله: (فليبلغ الشاهد الغائب) (1). والوجه مثل ما مر، والظاهر شمول الغائب للمعدومين في ذلك الوقت - أيضا - ولو بقرينة المقام.

الرابع عشر: الصحيح: (أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة: أن يصلوا (2) الرحم) (3). وجه الدلالة: أن هذا كاشف عن عموم التكاليف، فلا وجه للقول بأن هذا خرج بالنص.

ونحو ذلك ما دل على العموم في الوقائع الخاصة.

الخامس عشر: مفهوم ما دل على الاختصاص في بعض المقامات، كقوله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك (4) والنصوص في أن الرجل يفعل كذلك والمرأة تفعل كذا، فإنها دالة على أن غير ما نص فيه على الاختصاص شامل للكل.

وهذه القاعدة لا يخفى كثرة فروعها، بل قل ما تخلو مسألة في الفقه من الحاجة إليها، فلا يحتاج إلى ذكر الثمرات في المقامات.

وهنا تنبيهات:

أحدها: أن ميزان الاشتراك كما علم من الأدلة اتحاد العنوان المأخوذ في الحكم، ونصت عليه رواية أبي عمرو الزبيري المتقدمة (5) فكل من ثبت له حكم بعنوان خاص يثبت في غيره كذلك، ولا يتسرى من وصف إلى وصف، ومن مفهوم إلى آخر، وهو المراد باعتبارهم اتحاد الصنف في ذلك في الأصول، وقول الفقهاء:

إن الأحكام تتبع العناوين. نعم، لو شك في مدخلية شئ وعدمه فالمرجع القاعدة، ولنذكر لذلك مثالا

Page 27