Cadd Tanazuli
عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء
Genres
كانت السمة الأكثر تمييزا للمركبتين هي كبسولة مستديرة لمعاودة الولوج إلى المجال الجوي للأرض. مثلما فعل ألن وإجرز من اللجنة الاستشارية الوطنية للملاحة الفضائية، قدر مصممو كوروليف أن هذه المركبة لم يعوزها سوى شكل انسيابي غير حاد بدلا من الشكل الحاد ذي المقدمة المدببة. في اللجنة الاستشارية الوطنية للملاحة الفضائية، كان خبير ديناميكا الهواء ماكس فاجت قد أجرى مجموعة تجارب عند سرعات تفوق سرعة الصوت في أنفاق هوائية، ومن ثم برهن على أن الشكل المخروطي العادي لكبسولة «ميركوري» يمكن أن يحافظ على ثباته عند ولوجه المجال الجوي. كان كوروليف يفتقر إلى وجود المنشآت اللازمة لإجراء هذه الدراسات، وهو ما كان يعني أن أي شكل يجري اختياره لكبسولته ربما يتسبب في تعثرها أثناء ولوجها المجال الجوي: ستنساب الكبسولة المستديرة بحرية عبر الفضاء. وعلى الرغم من أن هذا قد يسبب حالة من عدم الارتياح لرائد الفضاء على متنها، فلن يؤدي إلى الإضرار ببكرة فيلم على سبيل المثال.
بلغ النموذج التجريبي الأول للمركبة «فوستوك» مداره في مايو 1960. لم تكن المركبة تحمل كلابا أو كاميرا، ولم تكن تتوافر فيها أنظمة حماية حرارية؛ ومن ثم، احترقت كبسولتها في المجال الجوي للأرض. توقف نظام توجيه المركبة، ومثلما حدث مع «ديسكفرر 5»، انطلق صاروخها الارتكاسي الكابح في الاتجاه الخطأ، وهو ما جعل الكبسولة تنطلق في مدار جديد وأعلى ارتفاعا.
مع ذلك، ناقشت المصادر السوفييتية عملية إطلاق المركبة بشيء من التفصيل، مشيرة إليها بوصفها نموذجا أوليا لمركبة مأهولة، يزن خمسة أطنان. أقر السوفييت بصراحة أنهم حاولوا تنفيذ عملية ولوج المجال الجوي للأرض لكنهم فشلوا في ذلك، ولكنه أمر لم يسفر عن أي أضرار؛ فلم يكن ثمة أي شخص على متن الكبسولة، إذ كانت عليها دمية فقط. أدهش هذا التصريح الكثيرين، وصرح السيناتور جاكسون والجنرال مداريس أن هذه المركبة كان على متنها إنسان بالفعل. نشرت صحيفة «لندن إيفنينج ستاندرد» رسما كاريكاتوريا يظهر فيه رائد فضاء يرسل إشارة لاسلكية يقول فيها: «من الدمية إلى القاعدة، من الدمية إلى القاعدة، ما هذا الحديث عن عدم العودة؟» لكن، كانت موسكو تقول الحقيقة، وكانت لديها أسبابها للقيام بذلك؛ إذ كانت تستطيع أن تحقق مكاسب دعائية من خلال إظهار أن لديها الوسائل اللازمة لإرسال إنسان إلى الفضاء، حتى إن لم تكن قد فعلت ذلك بعد، وهو ما أضاف بدوره مزيدا من الضغط على الأمريكيين.
في أواخر شهر يوليو، انفجرت مركبة فضائية وأفضت إلى مقتل كلبين، اسمهما «تشايكا» و«ليزيشكا». أظهرت مجددا عملية الإطلاق التالية للمركبة «فوستوك»، في منتصف أغسطس، تشابها عجيبا بين البرامج السوفييتية والأمريكية. كانت حكومتا هذين البلدين قد منحتا برامج الصاروخين الباليستيين العابرين للقارات، الصاروخ «آر-7» والصاروخ «أطلس»، أولوية قصوى خلال الأسبوع نفسه من شهر مايو 1954. كان يفصل بين اختبارات إطلاق الصاروخين أقل من أربعة أسابيع في ربيع 1957. بعد عام ونصف العام، أرسل كوروليف والجنرال شريفر بعثات فضائية إلى القمر في اليوم ذاته، ومع نجاح عمليات استرجاع كبسولتي القمرين «ديسكفرر 13» و«ديسكفرر 14» خلال الأسبوع الماضي، حققت المركبة «فوستوك» الثانية نجاحا مماثلا، عند عودتها بعد يوم واحد فقط من عودة «ديسكفرر 14». كان على متن المركبة السوفييتية كلبان اسمهما «بيلكا» و«ستريلكا» (أي السنجاب والسهم)، وفقا للصور التي أرسلتها كاميرا تليفزيونية على متن المركبة إلى المحطة الأرضية. اعترض أحد العلماء الأمريكيين قائلا: «سيرسلون في المرة القادمة فريق كرة قدم وشاحنة طراز «ماك» إلى الفضاء.» حذر جاك كينيدي قائلا: «كان اسم أول كلبين صعدا إلى الفضاء وعادا سالمين «ستريلكا» و«بيلكا»، لا «روفر» أو «فيدو».»
شجعت تلك النتائج المسئولين السوفييت على الموافقة على إرسال إنسان إلى الفضاء بحلول نهاية العام. جرت عملية إطلاق تجريبية أخرى في ديسمبر، لكن المركبة احترقت أثناء إعادة ولوجها المجال الجوي، ومات الكلبان «شيلكا» و«موشكا» اللذان كانا على متنها. في وقت لاحق خلال هذا الشهر، فشلت عملية إطلاق أخرى في الوصول بالمركبة إلى مدارها، بيد أن الكبسولة سقطت في سيبيريا، وجرى إنقاذ الكلبين اللذين كانا على متنها. فتحت روسيا جبهة جديدة أيضا في فبراير 1961، من خلال إرسال أول بعثة لها إلى كوكب الزهرة؛ إذ نشرت موسكو رسوما لهذه المركبة، توضح أنها كانت أكثر تطورا بكثير من المركبة «بايونير 5». كانت لدى المركبة أيضا مهمة عاجلة؛ إذ كان عليها الاقتراب من كوكب الزهرة ثم المرور بجواره. تعطل جهاز نقل الإشارات في المركبة عند ارتفاع 4,7 ملايين ميل، بيد أن العلماء الأمريكيين كانوا على استعداد للترحيب بالمحاولة . قال أحد أعضاء طاقم عمل المركبة «بايونير»: «عندما سمعت بالمتاعب التي واجهها السوفييت، كان رد فعلي الفوري هو الرضا عن أدائنا، وأننا أبلينا بلاء أفضل. ثم، شعرت بالخزي من رد فعلي.»
لم تكن المركبة «فوستوك» جاهزة بعد لإرسال إنسان في بعثة فضائية؛ لذا أجري اختبارا إطلاق آخران خلال شهر مارس، وكانت المركبة «فوستوك» في كلتا المرتين تحمل كلبا؛ في المرة الأولى «تشيرنوشكا» (أي الأسود)، وفي المرة الثانية «زفيزدوشكا» (أي النجم الصغير). عادت المركبة في كلا الاختبارين بسلام؛ وبذلك، تكون المركبة قد نجحت في العودة سالمة أربع مرات من إجمالي خمس محاولات، بما في ذلك تحقيق نجاح كامل في البعثتين الأخيرتين. لم يكن إطلاق رائد الفضاء الأول في بعثة مسألة بعيدة المنال. في تلك الأثناء، كان جون كينيدي يحمل زمام السلطة في البيت الأبيض، وكان عليه التعامل مع تلك النتائج.
الكل يعرف أن كينيدي وافق على المشروع الذي لم يشرع آيك في تنفيذه إلا في شهر ديسمبر. اختار كينيدي التصديق على مشروع «أبولو» وعلى إرسال رواد فضاء إلى القمر؛ كان هذا القرار أحد أكثر التحولات اللافتة في صناعة سياسات الحرب الباردة، وهو قرار كان له ما يبرره؛ إذ يعزى القرار في جزء منه إلى الجهود المستمرة لتوسيع نطاق الدور الفيدرالي في مجال التكنولوجيا، كما أنه كان يعتمد بقوة على وجهة نظر شائعة، ألا وهي أن أهم التقنيات الجديدة لن تتمخض عن العمل في القطاع الخاص، بل ستكون نتاج المبادرات الفيدرالية.
كان البرنامج الفيدرالي الأساسي في مجال التكنولوجيا يتضمن أشغالا عامة، وكان قد بدأ خلال القرن التاسع عشر؛ فبنى لنكولن أول خط سكة حديد عابر للقارات، لا من خلال عمليات مصادرة الأراضي، بل من خلال منح قطع أراضي شاسعة لشركتي بناء خطوط السكك الحديدية «سنترال باسيفيك» و«يونيون باسيفيك». امتدت خطوط سكك حديدية أخرى عبر البلاد بعد تلقي منح أراضي مماثلة. في حقيقة الأمر، كان تمويل القطاع الخاص في عالم خطوط السكك الحديدية، غير معتاد على الإطلاق، حتى إن رجل الصناعة صاحب النفوذ الواسع جيمس جيه هيل اشتهر باعتماده على التمويل الخاص، وهو ما أفضى إلى توفير دعم فيدرالي عندما شرع في بناء خط جريت نورذرن.
ثم جاءت قناة بنما، وهي مشروع فيدرالي سبق «أبولو» بأكثر من نصف قرن، لكنه أظهر رغم ذلك بعض أوجه التشابه المفيدة. انبثقت فكرة مشروع قناة بنما من الأحداث العسكرية الأخيرة؛ إذ لم تجد البحرية، خلال الحرب الإسبانية الأمريكية، طريقة لتحريك سفنها البحرية بسرعة بين المحيطين. وكان ثمة تحد آخر من الخارج؛ إذ كانت فرنسا قد حاولت حفر هذه القناة، لكنها فشلت؛ ومن ثم، كان المشروع اختبارا للصلابة الأمريكية. مثل مشروعا بنما و«أبولو» مركزا لأفضل المهارات والطاقات في البلاد، وقد استغرق كلا المشروعين عقدا لإتمامهما، سار العمل خلاله في ظل ثلاثة رؤساء وحزبين.
شهدت فترة الكساد العظيم، بعدها بعشرين عاما، عصرا من بناء السدود والمشروعات المائية: هيئة وادي تينيسي، وسد هوفر، وجراند كوليه. ثم في منتصف خمسينيات القرن العشرين، أطلق آيزنهاور أكبر برامج الأشغال العامة على الإطلاق؛ نظام الطرق السريعة بين الولايات. عكس المشروع إلى حد كبير حجم النشاط الذي كانت واشنطن مستعدة آنذاك لأدائه، كما أوضح هذا المشروع كيف يمكن لهذه المبادرة أن تغير حياة الناس إلى الأفضل.
Unknown page