344

Al-Burhān fī ʿUlūm al-Qurʾān li-l-Imām al-Ḥūfī - Sūrat Yūsuf dirāsa wa-taḥqīqan

البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف دارسة وتحقيقا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال الزمخشري: «إن صَحَّ هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظنِّ ما يَخْطِر بالبال ويَهْجِس في القلب مِنْ شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمَّا الظنُّ الذي هو ترجيحُ أحدِ الجائزين على الآخر فغير جائز على رجلٍ من المسلمين، فما بالُ رسلِ اللَّه الذين هم أعرفُ بربهم؟» قلت: ولا يجوز أيضًا أن يقال: خَطَر ببالهم شبهُ الوسوسة، فإنَّ الوسوسة من الشيطان وهم مَعْصومون منه.
وقال الفارسي أيضا: «إنْ ذهب ذاهب إلى أن المعنى: ظنَّ الرسلُ الذين وعد اللَّه أمَمَهم على لسانهم قد كُذِبوا فيه فقد أتى عظيمًا "لا يجوزُ أَنْ يُنْسَبَ مثلُه" إلى الأنبياء ولا إلى صالحي عبادِ اللَّه، وكذلك مَنْ زعم أنَّ ابنَ عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضَعُفوا فظنوا أنهم قد أُخْلفوا، لأن اللَّه تعالى: ﴿لَايُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ و﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ وقد روي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: معناه وظنُّوا حين ضَعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخْلفوا ما وعدهم اللَّه به من النصر وقال: كانوا بشرًا وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حتى يَقُولَ الرسولُ﴾ سورة البقرة، الآية: ٢١٤.
الرابع: أن الضمائر كلَّها تَرْجِعُ إلى المرسَل إليهم، أي: وظَنَّ المرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذبوهم فيما ادَّعوه من النبوَّة وفيما يُوْعِدون به مَنْ لم يؤمنْ بهم من العقاب قبلُ، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد قالوا: ولا يجوز عَوْدُ الضمائر على الرسل لأنهم مَعْصومون. ويُحكى أن ابن جبير حين سُئِل عنها قال: نعم إذا استيئسَ الرسل من قومهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّ المرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم» فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضِرًا: «لو رَحَلْتُ في هذه إلى اليمن كان قليلًا». وأمَّا قراءةُ التشديدِ فواضحة وهو أن تعودَ الضمائرُ كلها على الرسل، أي: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَّبهم أممُهم فيما جاؤوا به لطول البلاءِ عليهم، وفي صحيح البخاري عن عائشة: «أنها قالت: هم أتباعُ الأنبياءِ الذي آمنوا بهم وصَدَّقوا طال عليهم البلاءُ واستأخر عنهم النصرُ حتى إذا استيئس الرسلُ ممَّن كذَّبهم مِنْ قومهم، وظنَّتْ الرسلُ أن قومَهم قد كَذَّبوهم جاءهم نَصْرُ اللَّهِ عند ذلك». قلت: وبهذا يَتَّحد معنى القراءتين، والظنُّ هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين وأن يكونَ بمعنى التوهُّم حسبما تقدَّم.
وقرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد «كَذَبوا» بالتخفيف مبنيًا للفاعل، والضمير على هذه القراءة في ﴿ظنُّوا﴾ عائد على الأمم وفي ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ عائدٌ على الرسل، أي: ظنَّ المرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو من العقاب، ويجوز أن يعودَ الضميرُ في «ظنُّوا» على الرسل وفي ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ على المرْسَل "إليهم"، أي: وظنَّ الرسلُ أن الأممَ كَذَبَتْهم فيما وعدوهم به مِنْ أنَّهم يؤمنون به، والظنُّ هنا بمعنى اليقين واضح. «وقرأ مجاهد» كَذَبوا «بالتخفيف على البناء للفاعل على: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَبوا فيما حَدَّثوا به قومهم من النُّصْرة: إمَّا على تأويل ابن عباس، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يَرَوا لموعدهم أثرًا قالوا لهم: قد كَذَبْتُمونا فيكونون كاذبين عند قومهم أو: وظنَّ المرْسَلُ إليهم أن الرسلَ قد كَذَبوا. اهـ السمين، مرجع سابق، ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٤ - ٥٦٥ - ٥٦٦ ... بتصرف.

1 / 344