لم يقصد غايته رأسا، ولكنه مضى إلى مشرب شاي بمصر الجديدة، فجلس ساعة يقلب الأمر على وجوهه ويعد له عدته، سرح خياله بين ذكريات الماضي وحوادث الحاضر، وساءل عقله طويلا وساءل قلبه، ثم قر فكره على رأي. وكان في تفكيره جريئا حازما قاطعا على غير عادته، فلم تعترضه الصعوبات، ولم تثبطه المخاوف، حتى عجب للسرعة التي بت بها في الأمر وتساءل في دهشة: «ترى أهي من وحي الساعة، أم أثر لما تجمع في نفسي خلال ثلاث سنوات؟» واستحوذ عليه شيء من الاضطراب، وعاد يسأل نفسه، ويستعرض الظروف المختلفة، ولكن لم تكن قوة لتثنيه عما عقد العزم عليه. وقام من مجلسه تعتلج في صدره انفعالات شتى من بسطة السرور وقبضة القلق، وأريحية المغامرة، ثم اتخذ سبيله إلى عطفة نصر الله؛ فبلغها في أول الليل. ومضى يقترب من البيت القديم، وهو يشعر بثقل المهمة وحرج الموقف، ولكنه أقدم بخطى ثابتة وعزيمة لا تنثني، ثم طرق الباب بقلب خافق ففتحت له الخادم، وحدجته بدهشة أثارت أعصابه، ثم قادته إلى حجرة الاستقبال. وما عتم أن جاء فريد أفندي بجسمه المترهل فرآه لأول مرة مكفهر الوجه، يتوهج الغضب في نظرة عينيه. وما كاد الرجل يفرغ من مجاملات السلام ويستقر على مجلسه حتى قال بانفعال وتأثر شديدين: عشرة العمر كله، وجيرة العمر كله، وصداقة العمر كله، تمزقونها جميعا في دقيقة واحدة!
فنظر حسين إلى الخوان أمامه في ارتباك وتمتم بصوت منخفض: إن ما بيننا من ود قديم لا يمكن أن يتغير، وإن ننس لا ننسى فضلك ونبل أخلاقك ما حيينا.
فلم يعره الرجل التفاتا وضرب كفا على كف وهو يقول: لم أدر حين خبروني كيف أصدق أذني! إن طبيعة قلبي تأبى أن تصدق هذا الغدر الشائن. - إني عاذرك يا سيدي، وصدقني إننا لم نكن أدنى لتصديقه منك، حتى إنني تركت أمي في حال يرثى لها.
وتابع الرجل حديثه دون اهتمام بما قال: كنت ألاحظ أنه يتثاقل عن زيارتنا، وقيل لي في تفسير ذلك أعذار صبيانية زادتني تشاؤما، حتى علمت هذا المساء بأنه جاهر بنكث عهده، ما شاء الله! هل حسب بنات الناس ألعوبة يلهو بها على هواه؛ يخطب حين تحلو له الخطبة، ويفسخ حين يطيب له الفسخ؟! لقد عاملته كابني ولم يدر لي بخلد أنه يطوي صدره على قلب بهذا الخبث والغدر.
وزاد شعور حسين بالحرج وطأة فقال ينتحل الأعذار كيفما اتفق: أخي فتى طائش وقد أضاعت حادثة حسن صوابه.
فتساءل الرجل في إنكار: وما ذنبنا نحن؟ .. هذا عذر غير مفهوم! - أقصد أن المصيبة أثارت أعصابه، وأفسدت حكمه، فضاق صدره بالدنيا جميعا.
فلوح الرجل بيده في عنف وقال ساخطا: كلام غير مقنع، إني رجل مجرب، وأعلم أن الرجل لا يغدر بخطيبته لمثل هذا السبب، قل غير هذا الكلام إن شئت أن أصدقك، قل إنه صار ضابطا وبات يطمع في نوع آخر من النساء!
فقال حسين بلهجة حزينة: وددت بحياتي لو أصلح الأمر. - فسد الأمر ولا صلاح له، إنه عبث لا يليق بالشرفاء، ولو كنت غير الرجل لقاضيته وأدبته، ولكني أحمد الله على ما كشف لي من حقيقة نفسه بعد أن خدعت به طويلا، ما هو إلا شاب نذل جبان، ولا تؤاخذني على قول الحق.
ووقعت هذه الأقوال من نفس الشاب موقعا أليما، فخفض بصره مليا ثم قال بصوت ضعيف: إني جد آسف، بل كلنا آسفون، ولا مطمع لنا الآن إلا الإبقاء على الود القديم.
وساد الصمت برهة ثم تمتم الرجل بفتور: ما عهدنا منكم شرا.
Unknown page