759

Al-Bidāya waʾl-Nihāya

البداية والنهاية

Publisher

مطبعة السعادة

Publisher Location

القاهرة

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي جَهْلٍ: «يَا أَبَا الْحَكَمِ، هَلُمَّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ» . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا؟ هَلْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَشْهَدَ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ؟ فَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ قد بلغت؟ فو الله لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُ حَقٌّ، وَلَكِنْ [يَمْنَعُنِي] شَيْءٌ. إِنَّ بَنِي قُصَيٍّ قَالُوا: فِينَا الْحِجَابَةُ. فَقُلْنَا نَعَمْ، ثُمَّ قَالُوا فِينَا السِّقَايَةُ، فَقُلْنَا نَعَمْ، ثُمَّ قَالُوا فِينَا النَّدْوَةُ، فَقُلْنَا نَعَمْ. ثُمَّ قَالُوا فِينَا اللِّوَاءُ، فَقُلْنَا نَعَمْ. ثُمَّ أَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا. حَتَّى إِذَا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ قَالُوا مِنَّا نَبِيٌّ، وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قال أخبرنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ حَدَّثَنَا محمد ابن خالد حدثنا احمد بن خلف حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا جَالِسَانِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَتَعْجَبُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ فَالنَّبِيُّ يَكُونُ فِيمَنْ أَقَلُّ مِنَّا وَأَذَلُّ. فقال أبو جهل: أعجب أَنْ يَخْرُجَ غُلَامٌ مِنْ بَيْنِ شُيُوخٍ نَبِيًّا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمَعُ. فَأَتَاهُمَا فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَمَا للَّه وَرَسُولِهِ غَضِبْتَ وَلَكِنَّكَ حَمِيتَ لِلْأَصْلِ. وأما أنت يا أبا الحكم، فو الله لَتَضْحَكَنَّ قَلِيلًا وَلَتَبْكِيَنَّ كَثِيرًا» فَقَالَ:
بِئْسَمَا تَعِدُنِي يَا ابْنَ أَخِي مِنْ نُبُوَّتِكَ. هَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِيهِ غَرَابَةٌ. وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ وَعَنْ أَضِرَابِهِ (وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا، أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟ إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها.
وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ من أَضَلُّ سَبِيلًا) ٢٥: ٤١- ٤٢.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ:
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها) ١٧: ١١٠ قَالَ: كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، قَالَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) ١٧: ١١٠ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ (وَلا تُخافِتْ بِها) ١٧: ١١٠ عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلَا تُسْمِعُهُمُ الْقُرْآنَ حَتَّى يَأْخُذُوهُ عنك (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) ١٧: ١١٠ وَهَكَذَا رَوَاهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بشر جعفر بن أبى حية بِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ- وَهُوَ يُصَلِّي- تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَأَبَوْا أَنْ يَسْتَمِعُوا مِنْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بَعْضَ مَا يَتْلُو، وَهُوَ يُصَلِّي، اسْتَرَقَ السَّمْعَ، دُونَهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ، فَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْمَعِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) ١٧: ١١٠ فيتفرقوا عنك (وَلا تُخافِتْ بِها) ١٧: ١١٠ فَلَا يَسْمَعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهَا مِمَّنْ يَسْتَرِقُ ذَلِكَ، لَعَلَّهُ يَرْعَوِي إِلَى بَعْضِ مَا يَسْمَعُ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) ١٧: ١١٠

3 / 65