1
ويصف عثماني نطق أهالي حلب بالميوعة والرخاوة، ونطق الدروز بالقساوة والفجاجة، ويقول إن نطق أهل الشام قوي متساو واضح، وإن نطق الموارنة مضموم، وإن نطق سكان القدس وطبريا والقرى المجاورة مفتوح.
إن الإنشاء - أسلوب الكتابة - هو رمزي دائما في سوريا، حتى إن لغتها العامية حافلة بالتشابيه والاستعارات والمجاز.
وفي المراسلات - بوجه خاص - يدفع هذا الفن إلى أعلى قممه؛ إذ يصعب هنا أن يرسل الكلام عفو الطبع؛ فالأشخاص تشبه بكائنات خيالية أو وهمية، وقد تمسخ لأن الصور التي تشبه بها لا تنطبق عليها، وكثيرا ما يأخذون تشابيههم من أشياء لا تألفها عامة البشر، فيعبرون عن أفكارهم بالعطور والأزهار والصبا والدرر والأشياء الأخرى من نسيج وغيره.
إن عبارات المجاملة التي قولها موليير لكلايانت كانت مستوحاة من عادات الأتراك، وإحدى هذه المجاملات كانت ترمز إلى الآية: كونوا حكماء كالحيات، وودعاء كالحمام.
2
ويجب أن نعترف مع ذلك بأن أبرز خاصيات اللغة العربية تنحصر بموافقتها التامة للخيال، وأن تبني هذه اللغة الأسلوب الرمزي هو نتيجة حب الناطقين بها للاستعارات.
كتب السيد ف. ج. ماريال - العالم الشهير باللغات الشرقية: «إن لغة المديح نشأت عند الدول الشرقية؛ ففي هذه البلدان، حيث يعتاد الأمراء منذ طفولتهم الإطراء السمج، لم يرتقوا عروشهم إلا ليمارسوا أعمال الظلم المستبد. لم يكن يجرؤ أي امرئ أن يسدي نصائحه بلا تزلف ومحاباة، فسيف الأمير كان مصلتا فوق الرءوس بلا تمييز، وهو يستطيع في كل ساعة أن يقتل مستشاره اللبق إذا جرحت آراؤه كبرياء مولاه. «فهذه الخشية هي التي اضطرت حكماء الشرق وفلاسفته إلى لف أمثالهم بستار من الرموز، وهي التي حدت بهم إلى خلق الأساطير والخرافات.»
وهنا يصدق قول بيفون: إن الأسلوب هو الشخص نفسه. فموقف العربي يقضي عليه أن يكون دقيقا، متحفظا، لبقا؛ ومن هنا جاءته طريقته المتبعة في الإفصاح عن أفكاره.
أما اليوم فالأدب لا يزال حيث تركه الكتاب السابقون. وإذا عد هنا وهنالك بعض مفكرين، فإن هؤلاء جميعهم من الشعراء الصغار. إننا نجد من هؤلاء مسيحيين في الجبل - هما ناصيف اليازجي وبطرس كرامة - وفي حمص الشيخ حسين الجندي الذي لاقت أزجاله وأناشيده رواجا كبيرا.
Unknown page