Bayan Sarih
البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح
Genres
ونقول: وشكر العبد لفعله أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك بتحريك أصبعه، وقد قال تلبيية لكلامه في حاشية العضد: وقال إن هذا لا يصح أن يكون من الرد على المعتزلة بل هو مؤيد لكلامهم. هذا معنى كلامهم، ثم إن الاستهزاء الذي ذكروه في مثل هذا إن كان مدركه العقل فقد سلموا أيضا الحكم العقلي، وإلا فلا وجه لذكره، ويلزهم أن يكون تعظيم الله لنعمه تعظيما للحقير، وأمره بالشكر عليها أمرا بالاستهزاء به، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، قال الله تعالى: {أفبنعمة الله يجحدون} وقال{أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون} وقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} ولأنه لو كان إيجاد اللقمة التي ضربوا بها المثل من العدم وفهيا سلامة المتصدق عليه من العمى والخرس، واستبراء الجذام والبرص، وعافيته من الألم، وصحة من اللمم وسائر الأسقام، وما لايخفى من الإنعام، ومالا يعد جزيل الآلاء والمواهب كما وصف الله في قوله: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} لكان فيها نعمة عظيمة ومنة جسيمة كما قال في خاتمتها: {إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون} ثم قال عقيبها: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون(12)وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لاية لقوم يذكرون(13)وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون(14)وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون(16)أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} أفيكون تمييز خلقها وتسهل أمرها على خالقها ناقصا لقدرة ومحقرا لأمرها؟ أم يكون ذلك زيادة في شأن عظمة خالقها وعلو قدر صانعها، ومحكم تدبيرها، وعلو شأنها في نفسها لكونها صنعة العلي العظيم، وكان فضل الله عليكم عظيما، فتباركت آلاؤه، وتقدست أسماؤه { فبأي آلاء ربكما تكذبان} {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام}.
Page 112