Bayān al-sharʿ
بيان الشرع
وزعم قوم ممن يدعون علم القرآن أنما أنزل بالمدينة ناسخا لما أنزل بمكة وهذا غلط عندي لما ذكروا أن النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي، لأنه قد يجوز أن يكون قد نزل بمكة نسخ ما قد تقدمه في النزول بها، وكذلك القول فيما نزل بالمدينة، فمن الحجة على من أبطل النسخ وأفسده ورأي أن القول به كالقول بالندا ما وجدنا من أفعال الله جل ذكره، وهو أن يحي الإنسان ما كانت الحياة أصلح له في التدبير، ثم يميته ويصحه ما دامت الصحة أصوب له في تدبيره تعالى، ومن الحجة عليهم أيضا اختلاف شرائع الأنبياء، صلوات الله عليهم، في الأحكام، لا في التوحيد والوعد والوعيد، ونسخ بعضها لبعض، فإن أنكر ذلك منكر وزعم أن شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم كانت متفقة، وأن شيئا منها لم ينسخ ما تقدمه، فالحجة عليه قول الله عز وجل، حكاية عن المسيح صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، بتحريم صيد السمك في يوم السبت، على من حرم ذلك، وتحليل ذلك لنا، وبالكف عن العمل يوم السبت وما أمر به بنو إسرائيل من ذلك، وإباحته لنا، ودليل آخر وهو قول الله تعالى: * (*فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم*) * والحجة على من زعم أن النسخ لا يكون حتى يرفع تلاوته ما نسخ الله من التوراة بالقرآن وهما متلوان جميعا.
فأما نسخ القرآن بالسنة فقد قال به أكثر أصحابنا، واحتجوا بأن الله فرض علينا سبع عشرة ركعة في كل يوم وليلة ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سن أن على المسافر بعض ذلك دون جميعه، فإن احتج محتج من قال أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن، فإن نسخ فرض الصلاة للمقيم يقول الله جل ذكره: * (*وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا*) * فإن الآية إنما أوجبت القصر على وجه الخوف، وقد أجمع المسلمون من أهل الصلاة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم بقصر الصلاة في حال الأمن دون الخوف وهذا يدل على أن الآية ليست بناسخة، والله أعلم.
وأما من زعم أن السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخ السنة وأن من الحجة عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير قرآن نزل، ثم إن الله نسخ ذلك بقرآن أنزله وحول القبلة إلى الكعبة.
Page 255