Your recent searches will show up here
Bayān al-sharʿ
Muḥammad b. Ibrāhīm al-Kindī (d. 508 / 1114)بيان الشرع
ويقال له هذا غلط منكم وتوهم فيما تأولتم، وذلك أن جلد الميتة قد حرمه الله ورسوله، كما حرم الخمر فمنع من ذلك، فإذا جاز الانتفاع به بعد الدباغ وجاز حبسه مع التحريم له إلى حال يعالج فيتغير حكمه فيصير حلالا، فكذلك الخمر تعالج حتى تتغير فتصير حلالا، وأيضا فإن جلد الميتة أصل متفق عليه، فيجب أن يرد إليه المختلف فيه من الخمر كجلد الميتة المحرم يجوز الانتفاع به بعد الدباغ، والله أعلم وبه التوفيق.
فإن قال قائل: ولم قلتم إن الملح يحول النبيذ خلا؟ قيل له لما كان يحرم النبيذ للشدة التي فيه، وكان الملح يذهبها، زال التحريم لزوال العلة، وأيضا قد جاء الأثر في الخمر بأن يطرح فيه الملح فإذا زالت شدته وانتقل عما كان عليه جاز الانتفاع به، فإن قال: فعين واحدة حرمها الله يصير حلالا والعين قائمة؟ قيل له: نعم، إذا كانت محرمة للعلة لا للعين المحرمة وجب التحريم، فإذا كان التحريم لعلة فزالت العلة وعلمت زال حكم التحريم، وصار حكم محرم حلالا، وقد جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما إهاب (¬1) دبغ فقد طهر» فقد دخل في هذا القول جلد الميتة وغيرها وصارت الدباغة رافعة لحكم النجاسة المحرم لأجلها، والله أعلم وبالله التوفيق.
مما جاء في بعض الآثار ما من موضع حكم فيه صلى الله عليه وسلم برأيه إلا عاتبه الله تبارك وتعالى عليه ثم أمسك عليه السلام بعدما عوتب، فأنزل الله جل وعز: * (*وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى*) * (¬2) وعن علي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقيسوا الدين فإن الدين لا يقاس، وأولمن قاس إبليس لعنه الله»، وعن عمر أنه قال: أيها الناس إياكم والقياس فإن أصحاب القياس أعداء النبيين، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، واستحبوا إذا سئلوا أن يقولوا لا نعلم فقاسوا برأيهم فإياكم وإياهم.
قال أبو محمد: الدليل على أن بعض أصحابنا كانوا لا يقولون بالقياس
Page 30