Al-Baḥr al-muḥīṭ fī uṣūl al-fiqh
البحر المحيط في أصول الفقه
Publisher
دار الكتبي
Edition
الأولى
Publication Year
1414 AH
Publisher Location
القاهرة
[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَفْضَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَبُرْهَانُ الْمُحَقِّقِينَ، كَهْفُ الْأَئِمَّةِ وَالْفُضَلَاءِ، زُبْدَةُ نَحَارِيرِ الْعُلَمَاءِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَعُمْدَةُ فُضَلَاءِ الزَّمَانِ، بَدْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَبْدُ اللَّهِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ، سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ، وَفِي دَارِ الْخُلْدِ مَأْوَاهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسَّسَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ بِأُصُولِ أَسَاسِهِ، وَمَلَّكَ مَنْ شَاءَ قِيَادَ قِيَاسِهِ، وَوَهَبَ مَنْ اخْتَصَّهُ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ عَلَى أَفْرَادِ أَفْرَاسِهِ، وَأَوْلَى عِنَانَ الْعِنَايَةِ مَنْ وَفَّقَهُ لِاقْتِبَاسِهِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً يَتَقَوَّمُ مِنْهَا الْحَدُّ بِفُصُولِهِ وَأَجْنَاسِهِ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي رَقَى إلَى السَّبْعِ الطِّبَاقِ بِبَدِيعِ جِنَاسِهِ، وَآنَسَ مِنْ الْعُلَا نُورًا هَدَى الْأُمَّةَ بِإِينَاسِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مَا قَامَتْ النُّصُوصُ بِنَفَائِسِ أَنْفَاسِهِ، وَاسْتُخْرِجَتْ الْمَعَانِي مِنْ مِشْكَاةِ نِبْرَاسِهِ.
1 / 3
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَوْلَى مَا صُرِفَتْ الْهِمَمُ إلَى تَمْهِيدِهِ، وَأَحْرَى مَا عُنِيَتْ بِتَسْدِيدِ قَوَاعِدِهِ وَتَشْيِيدِهِ، الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ قِوَامُ الدِّينِ، وَالْمَرْقَى إلَى دَرَجَاتِ الْمُتَّقِينَ. وَكَانَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ جَوَادَهُ الَّذِي لَا يُلْحَقُ، وَحَبْلَهُ الْمَتِينَ الَّذِي هُوَ أَقْوَى وَأَوْثَقُ، فَإِنَّهُ قَاعِدَةُ الشَّرْعِ، وَأَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ كُلُّ فَرْعٍ. وَقَدْ أَشَارَ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي جَوَامِعِ كَلِمِهِ إلَيْهِ، وَنَبَّهَ أَرْبَابُ اللِّسَانِ عَلَيْهِ، فَصَدَرَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْهُ جُمْلَةٌ سَنِيَّةٌ، وَرُمُوزٌ خَفِيَّةٌ، حَتَّى جَاءَ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَاهْتَدَى بِمَنَارِهِ، وَمَشَى إلَى ضَوْءِ نَارِهِ، فَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الِاجْتِهَادِ، وَجَاهَدَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْغَرَضِ السَّنِيِّ حَقَّ الْجِهَادِ، وَأَظْهَرَ دَفَائِنَهُ وَكُنُوزَهُ وَأَوْضَحَ إشَارَاتِهِ وَرُمُوزَهُ،
1 / 4
وَأَبْرَزَ مُخَبَّآتِهِ وَكَانَتْ مَسْتُورَةً، وَأَبْرَزَهَا فِي أَكْمَلِ مَعْنًى وَأَجْمَلِ صُورَةً، حَتَّى نَوَّرَ بِعِلْمِ الْأُصُولِ دُجَى الْآفَاقِ، وَأَعَادَ سُوقَهُ بَعْدَ الْكَسَادِ إلَى نَفَاقٍ. وَجَاءَ مَنْ بَعْدَهُ، فَبَيَّنُوا وَأَوْضَحُوا وَبَسَطُوا وَشَرَحُوا، حَتَّى جَاءَ الْقَاضِيَانِ: قَاضِي السُّنَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَقَاضِي الْمُعْتَزِلَةِ عَبْدُ الْجَبَّارِ، فَوَسَّعَا الْعِبَارَاتِ، وَفَكَّا الْإِشَارَاتِ، وَبَيَّنَا الْإِجْمَالَ، وَرَفَعَا الْإِشْكَالَ.
وَاقْتَفَى النَّاسُ بِآثَارِهِمْ، وَسَارُوا عَلَى لَاحِبِ نَارِهِمْ، فَحَرَّرُوا وَقَرَّرُوا، وَصَوَّرُوا، فَجَزَاهُمْ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَمَنَحَهُمْ بِكُلِّ مَسَرَّةٍ وَهَنَاءٍ.
ثُمَّ جَاءَتْ أُخْرَى مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَحَجَرُوا مَا كَانَ وَاسِعًا، وَأَبْعَدُوا مَا كَانَ شَاسِعًا، وَاقْتَصَرُوا عَلَى بَعْضِ رُءُوسِ الْمَسَائِلِ، وَكَثَّرُوا مِنْ الشُّبَهِ وَالدَّلَائِلِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى نَقْلِ مَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْفِرَقِ، وَتَرَكُوا أَقْوَالَ
1 / 5
مَنْ لِهَذَا الْفَنِّ أَصَّلَ، وَإِلَى حَقِيقَتِهِ وَصَّلَ، فَكَادَ يَعُودُ أَمْرُهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَتَذْهَبُ عَنْهُ بَهْجَةُ الْمُعَوَّلِ، فَيَقُولُونَ: خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ، أَوْ وِفَاقًا لِلْجُبَّائِيِّ، وَتَكُونُ لِلشَّافِعِيِّ مَنْصُوصَةً، وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالِاعْتِنَاءِ مَخْصُوصَةً، وَفَاتَهُمْ مِنْ كَلَامِ السَّابِقِينَ عِبَارَاتٌ رَائِقَةٌ، وَتَقْرِيرَاتٌ فَائِقَةٌ، وَنُقُولٌ غَرِيبَةٌ، وَمَبَاحِثُ عَجِيبَةٌ.
[مَنْهَجُ الْمُؤَلِّفِ وَمَصَادِرُهُ]
وَقَدْ اجْتَمَعَ عِنْدِي بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الْأَقْدَمِينَ فِي هَذَا الْفَنِّ مَا يَرْبُو عَلَى الْمِئِينَ، وَمَا بَرِحَتْ لِي هِمَّةٌ تَهُمُّ فِي جَمْعِ أَشْتَاتِ كَلِمَاتِهِمْ وَتَجُولُ، وَمِنْ دُونِهَا عَوَائِقُ الْحَالِ تَحُولُ، إلَى أَنْ مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِنَيْلِ الْمُرَادِ، وَأَمَدَّ بِلُطْفِهِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْمَوَادِّ، فَمَخَضْتُ زُبْدَ كُتُبِ الْقُدَمَاءِ، وَوَرَدْتُ شَرَائِعَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَجَمَعْت مَا انْتَهَى إلَيَّ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَنَسَجْت عَلَى مِنْوَالِهِمْ، وَفَتَحْت مِنْهُ مَا كَانَ مُقْفَلًا، وَفَصَّلْت مَا كَانَ مُجْمَلًا، بِعِبَارَةٍ تُسْتَعْذَبُ، وَإِشَارَةٌ لَا تُسْتَصْعَبُ. وَزِدْت فِي هَذَا الْفَنِّ مِنْ الْمَسَائِلِ مَا يُنِيفُ عَلَى الْأُلُوفِ، وَوَلَّدْت مِنْ الْغَرَائِبِ غَيْرَ الْمَأْلُوفِ، وَرَدَدْت كُلَّ فَرْعٍ إلَى أَصْلِهِ وَشَكْلٍ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَكْلِهِ، وَأَتَيْت فِيهِ بِمَا لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ، وَجَمَعْت شَوَارِدَهُ الْمُتَفَرِّقَاتِ عَلَيْهِ بِمَا يُقْضَى مِنْهُ الْعَجَبُ، وَإِنَّ اللَّهَ يَهَبُ لِعِبَادِهِ مَا يَشَاءُ أَنْ يَهَبَ، وَأَنْظِمُ فِيهِ
1 / 6
بِحَمْدِ اللَّهِ مَا لَمْ يَنْتَظِمْ قَبْلَهُ فِي سِلْكٍ، وَلَا حَصَلَ لِمَالِكٍ فِي مِلْكٍ، وَكَانَ مِنْ الْمُهِمِّ تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَخِلَافِ أَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُخَالِفِينَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ.
وَلَقَدْ رَأَيْت فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْخَلَلَ فِي ذَلِكَ، وَالزَّلَلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ التَّقْرِيرَاتِ وَالْمَسَالِكِ، فَأَتَيْت الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَشَافَهْت كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْ كُتَّابِهَا، وَرُبَّمَا أَسُوقُهَا بِعِبَارَاتِهِمْ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى فَوَائِدَ، وَتَنْبِيهًا عَلَى خَلَلٍ نَاقِلٍ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَآخِذِ وَالْمَقَاصِدِ.
فَمِنْ كُتُبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ الرِّسَالَةُ "، واخْتِلَافُ الْحَدِيثِ " وَأَحْكَامُ الْقُرْآنِ "، وَمَوَاضِعُ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ الْأُمِّ "، وَشَرْحِ الرِّسَالَةِ " لِلصَّيْرَفِيِّ وَلِلْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَلِلْجُوَيْنِيِّ وَلِأَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ وَكِتَابُ الْقِيَاسِ " لِلْمُزَنِيِّ.
1 / 7
وَكِتَابُ " الرَّدِّ عَلَى دَاوُد فِي إنْكَارِهِ الْقِيَاسَ " لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَكِتَابُ " الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ " لَهُ أَيْضًا، وَكِتَابُ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ " لِلصَّيْرَفِيِّ، وَكِتَابُ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاضِي فِي " رِيَاضِ
1 / 8
الْمُتَعَلِّمِينَ " وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سُرَاقَةَ الْعَامِرِيِّ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ كَجٍّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكٍ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَسُلَيْمٍ الرَّازِيَّ
1 / 9
فِي التَّقْرِيبِ فِي الْأُصُولِ " وَالتَّحْصِيلِ " لِلْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ، وَشَرْحُ الْكِفَايَةِ وَالْجَدَلِ " لِلْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَاللُّمَعُ وَشَرْحُهَا " لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالتَّبْصِرَةُ " وَالْمُلَخَّصُ "، وَالْمَعُونَةُ "، وَالْحُدُودُ " وَغَيْرُهَا مِنْ كُتُبِهِ، وَكِتَابُ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيّ، وَكِتَابُ أَبِي الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْأَوْسَطُ "
1 / 10
لِابْنِ بَرْهَانٍ، وَالْوَجِيزُ " لَهُ، وَالْقَوَاطِعُ " لِأَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ وَهُوَ أَجَلُّ كِتَابٍ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ نَقَلَاتٍ وَحِجَاجًا، وَكِتَابُ التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ " لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ أَجَلُّ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي هَذَا الْعِلْمِ مُطْلَقًا، وَالتَّلْخِيصُ " مِنْ هَذَا الْكِتَابِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَمْلَاهُ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ، وَالْبُرْهَانُ " لِلْإِمَامِ وَشُرُوحُهُ، وَقَدْ اعْتَنَى بِهِ الْمَالِكِيُّونَ. الْمَازِرِيُّ، وَالْإِبْيَارِيُّ، وَابْنُ الْعَلَّافِ، وَابْنُ الْمُنِيرِ، وَنَكَتَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمُقْتَرِحُ
1 / 11
جَدُّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ لِأُمِّهِ، وَمُخْتَصَرُ النُّكَتِ " لِابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ الإسكندراني، " وَمُخْتَصَرُهُ لِابْنِ الْمُنِيرِ، وَالْمُسْتَصْفَى " لِلْغَزَالِيِّ، وَقَدْ اعْتَنَى بِهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، فَشَرَحَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمُسْتَوْفَى "، وَنَكَتَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِّ الْإِشْبِيلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ
1 / 12