Al-Baḥr al-Madīd fī Tafsīr al-Qurʾān al-Majīd
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
Editor
أحمد عبد الله القرشي رسلان
Publisher
الدكتور حسن عباس زكي
Edition
١٤١٩ هـ
Publisher Location
القاهرة
Genres
•Allegorical Exegesis
Regions
•Morocco
Empires & Eras
ʿAlawid or Filalī Sharīfs (Morocco), 1041- / 1631-
ثم هدّد بنى إسرائيل على عدم دخولهم فى الإسلام، أو على عدم تمسكهم بشرائعه كلها، فقال:
[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)
قلت: (كم) خبرية، أو استفهامية، محلها نصب بفعل محذوف يُقدر مؤخرًا للصدرية، أي: كم آياتنا آتيناهم، أو رفع بالابتداء، والعائد محذوف، أي: آتيناهموه.
يقول الحق ﷻ لرسوله- ﵊ أو لكل سامع: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ سؤال تقريع، وقل لهم: كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ أي: كثيرًا ما آتيناهم من آية واضحة في شأنك، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك، اعتناء بأمرهم، ونعمة على مَنْ أدرك زمانك منهم. ثم إنهم بدلوا نعمة الله كفرا، وحجدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها، وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ من بعد مجيئها إياه، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن كفر نعمه وجحد رسله، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن كفران النعم، وحرمان الرضا.
الإشارة: ما قيل لبني إسرائيل، يقال لمن تحقق بولاية وليّ من أولياء الله، ثم حجدها وكتمها، وحرّم نفسه بركة ذلك الولي، فمات على مرضه، فيقال له: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. وعقوبته: أن يلقى الله بقلب سقيم، فيُبعث مع عوام أهل اليمين، ويُحرم درجة المقربين، التي تلي درجة النبيين والمرسلين. عائذًا بالله من الحرمان، وشُؤمِ عاقبةِ الخذلان.
ثم ذكر الحق ﷻ سبب هذا الحرمان، وهو حب الدنيا، فقال:
[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
قلت: (زُين) مبني للمفعول، والفاعل هو الله، إذ لا فاعل سواه.
يقول الحق ﷻ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل الكتاب وغيرهم، الْحَياةُ الدُّنْيا أي: حُسِّنَتْ في أعينهم، وأُشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، واعرضوا عن غيرها، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار، ولم تستمع آذانهم للوعظ والتذكار، بل أعمتهم، وأصمّتهم، وقصروا عليها همتهم، حتى جعلوا يسخرون ممن أعرض عنها، كفقراء المسلمين وأهل الصفة، فكانوا يستهزئون بهم، حيث رفضوا الدنيا وأقبلوا على الله، فرفعهم الله
1 / 237