Al-Baḥr al-Madīd fī Tafsīr al-Qurʾān al-Majīd
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
Editor
أحمد عبد الله القرشي رسلان
Publisher
الدكتور حسن عباس زكي
Edition
١٤١٩ هـ
Publisher Location
القاهرة
Genres
•Allegorical Exegesis
Regions
•Morocco
Empires & Eras
ʿAlawid or Filalī Sharīfs (Morocco), 1041- / 1631-
يقول الحق ﷻ: كتب الله عَلَيْكُمْ أن تُوصوا للوالدين والأقربين إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، إِنْ تَرَكَ المستحضر خَيْرًا أي: مالًا، قال سيدنا علي- كرّم الله وجهه-: (ألف درهم فصاعدًا، فلا وصية في أقل) .
وقال النخعي: (خمسمائة درهم لا أقل) . وقال الزُّهْرِي: (تجب فيما قلّ وكَثُر)، وعن عائشة- رضى الله عنها-:
(أن رجلًا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالُك؟ فقال: ثلاثة آلاف. فقالت: كم عِيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: لا، إنما قال الله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وإن هذا لشئ يسير، فاتركْه لعيالك) .
وتكون تلك الوصية بِالْمَعْرُوفِ، أي: بالعدل، فلا يُفضل الذكور، ولا يتجاوز الثلث. قد حَقَّ الله ذلك حَقًّا واجبًا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فمَن غيَّره من الأوصياء أو الشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ وعلمه، فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ من الأوصياء أو الشهود، لأنه هو الذي خالف الشرع وغيَّر دون الميت، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فلا يخفى عليه مَنْ بدَّل أو غيَّر، فهو حسيبُه ومُعاقبه، فَمَنْ خافَ أي: علِم مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أي: ميلًا بالخطأ في الوصية، أَوْ إِثْمًا تعمدًا للجنف، فَأَصْلَحَ بين المُوصَى لهم وبين الورثة، بأن أجراهم على منهاج الشرع، أو نقص للموصَى لهم، أو زاد لمصلحة رآها فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لأنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيغفر للمبدِّل لمصلحةٍ ويرحمه.
وهذه الآية منسوخة في وصية الوالدين، مُحْكَمة في الأقربين غير الوارثين، بقوله- ﵊ فى الحديث المشهور: «إنَّ اللهَ أعْطَى كل ذي حق حقه. فلا وَصِيَّةَ لِوَارثٍ»، فإذا كان الوالدان غيرَ وارثيْن كالكافرَيْن أو العبدَيْن فهي مُحْكَمة، والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن المريد إذا منع نفسه من الشهوات، وحفظ قلبه من الخطَرَات، وصان سرّه من الغَفَلات- وأعظمُ الشهوات حبُّ الرئاسة والجاه، فإذا قتل نفسه ونزل بها إلى السُّفْليات حتى حَضرها الموت، وانقطع عنها الخواطر والخيالات- فإنها تفيض بالعلوم والواردات، فالواجب من طريق الجزم أن يقيد تلك العلوم، أو يوصي مَنْ يقيدها لينتفع بها الوالدان وهما الأشياخ، والأقربون وهم الإخوان. فإن الحكمة تَرِدُ في حال التجلي كالجبَل، فإن لم يقيدها وأهملها رجعت كالجمل، فإن أهملها رجعت كالكبش، فإن أهملها رجعت كالطير، ثم ترجع كالبَيْضة ثم تذهب. هكذا كان يقول شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل ﵁، وكان شيخه سيدي العربي بن عبد الله يقول له:
(إن ورد عليك واردٌ فقَيِّدْه وأعطني منه نسخة) . وهكذا كان أشياخنا يأمروننا بتقييد الواردات، فَمنْ قَيَّدَ واردًا
1 / 210