Al-Badʾ waʾl-tārīkh

البدء والتاريخ

Publisher

أَرنست لرُو الصَحّاف - باريس

Publisher Location

ما بين ١٨٩٩ - ١٩١٩ م

المجلد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم وبه الحول والقوة [١] تسلّق الزائغون عن المحجّة في التلبيس على الضعفاء وتعلّق المنحرفون عن نهج الحقّ في إفساد عقيدة الأغبياء من طريق مبادي الخلق ومبانيه وما اليه معاده ومآله تعلقا به ينبّهون غرّة الغافل ويحيرون فطنة العاقل وذلك من أنكى مكايدهم للدين واثخن لبلوغهم في انتقاض الموحّدين وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [١] ٩: ٣٢ ويعلى كلمته ويفلج حجّته وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ٩: ٣٢ [١] وانّ من عظيم الآفة على عوامّ الأمّة تصدّيهم لمناظرة من ناظرهم بما تخيّل في اوهامهم وانتصب في نفوسهم من غير ارتياض بطرق العلم ولا معرفة بأوضاع

Qor.،sour.IX،V.٣٢. [١]

1 / 1

القول ولا تحكّك بأدب الجدل ولا بصيرة بحقائق الكلام ثم إلقاؤهم بأيديهم عند أوّل صاكّة تصكّ أفهامهم وقارعة تقرع أسماعهم ضرعين خاشعين مستجدين مستقلّين الى ما لاح لهم بلا اجالة رويّة ولا تتعير (؟) عن خبيئة وعلى أهل الطرف والشرف منهم التخصيص بالنادر الغريب والرغبة عن الظاهر المستفيض والإيجاب بغوامض الألفاظ الرائقة والكلم الرائعة وان كانت ناحلة المعاني نحيفة المغاني ضعيفة الضمائر واهية القواعد فقصارى نظرهم الاستخفاف بالشرائع والأديان التي هي وثاق الله تعالى في سياسة خلقه وملاك امره ونظام الألفة بين عباده وقوام معاشهم والمنبّه على معادهم الرادع لهم عن التباغي والتظالم والمهيب بهم الى التعاطف والتواصل والباعث لهم على اعتقاد الذخائر من مشكور صنائع العاجل ومحمود ثواب الآجل فتعرّض الى ما هو منهيّ عنه في حكمة العقل التعرض له من الاستهداف بقدح القادح واستدعاء مقت الماقت والسعي في إفساد ذات البين والاستشراف للفتنة وتلبيس الحق على الضعفة وأكثر ما يعترى هذه البليّة طبقة أهل اللسان والبيان يظنون ظنونا كاذبة ويسمّون بهم قاصرة

1 / 2

الى حيث يحجم همه البارز النقّاب عن التطلّع الى أدناه ويحقّ ما ذكره العتبى في كتابه وان كان دخيلا في صناعته متكلّفا ما ليس من بزّته حيث قال في صفة هذه الطبقة قد رضى من الله ومن عباده عوضا ان يقال فلان دقيق وفلان لطيف يذهب إلى انّ لطف النظر قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به علم ما جهلوه فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر وهو لعمر الله بهذه الصفات أولى وهي به أليق في أخوات لهذه كثيرة ويا لها من فضيحة إذا أخذت الحجة يكظم أحدهم واسبل الحقّ جناحه عليه بقي مبهوتا منقطعا قد خانته معرفته وكذّبته أمنيته وبدت عورته وظهرت حيرته وصار ضحكة للناظرين ومثلا سائرا في السامعين بعد أن كان يظنّ ضحكة لفضل علم أو بيان وكفى ذلّا وحزنا ودناءة ونقصا لراض بهذه المنزلة ومعترّ بتفريط السفلة مقبلا على لحمه وعظمه مضيّعا أيّام أدبه وعلمه ومن كانت هذه حاله فحقّ له النكال والنكير في العاجل مع ما يبوء به من ناهض الإثم وعظيم الإصر في الآجل ومن أعظم ذلك على أرباب القلانس وأصحاب المجالس الذين طلبهم العلم لا للَّه ولا لأنفسهم ولكن

1 / 3

للتصدّر والتقدّم فهم يأخذونه من غير مظانّه ويترشحون له [Fo ٢ Ro] بلاد واعية مقدّماته مستحلبين أفئدة العامّة بإطراء مذاهبهم مفسدين عليهم أذهانهم بما يقصّون من غرائب العجائب الّتي رووها مستأكلة القصّاص عن أحدوثة في العقل مردودة واعجوبة عن الفهم محجوبة حتى شحنوا صدورهم بترّهات الأباطيل وضيّعوا نفوسهم بالأسمار والأساطير فهم الى كلّ ناعق سراع وعن كلّ ذي حقّ بطاء وللمتّبع متعرضون وعن الواجب معرضون المحق فيهم مبطل والمدقّ ملحد والمخالف لهم ومقهور والناظر مهجور والحديث لهم عن جمل طار أشهى اليهم من الحديث عن جمل سار ورؤيا مريّة آثر عندهم من رواية مرويّة فهذه الخطّة كانت سبب حرمان العلم وتهجين اهله وفوت الحظ واستحقاق الخذلان والتوسيع للطاعن في اللين وتسهيل القادحين بالصخب والشغب والشنعة وردّ العيان وجحد البرهان ويأبى العلم ان يضع كنفه أو يخفض جناحه أو يسفر عن وجه إلّا لمتجرّد له بكلّيته ومتوفّر عليه بأينيته [١] معان بالقريحة الثاقبة [٢] والرويّة الصافية مقترنا

[١] . بأمنيته MS.
[٢] . الباقبه MS.

1 / 4

به التأييد والتسديد قد شمّر ذيله واسهر ليله حليف النصب ضجيع التعب يأخذ مأخذه متدرّجا ويتلقّاه متطرّفا لا يظلم العلم بالتعسّف والاقتحام ولا يخبط فيه خبط العشواء في الظلام ومع هجران عادة الشرّ والنزوع عن نزاع الطبع ومجانبة الإلف ونبذ المحاكلة واللجاجة واجالة الراعي عن غموض الحقّ والتأتّي [١] بلطيف المأتى وتوفيقه النظر حقّه من التمييز بين المشتبه والمتّضح والتفريق بين التمويه والتحقيق والوقوف عند مبلغ العقول فعند ذلك إصابة [٢] المراد ومصادفة المرتاد وباللَّه التوفيق والرشاد، ولمّا نظر فلان أطال الله في طاعته بقاه وبلغ من العلوم مناه الى أحوال هذه الطبقة وما قد يقسمهم من الهمم وتوزّعهم من أنواع النحل وتصفّح مذاهبهم اشتاقت [٣] نفسه الى تحصيل الأصحّ من مقالاتهم وتمييز الأصوب من اشاداتهم فأمرنى لا زال أمره عاليا وجدّه صاعدا أن أجمع له كتابا في هذا الباب منحطّا عن درجة العلو خارجا عن حدّ التقصير مهذبا من شوائب التزيّد مصفّى عن سقاط الغسالات [٤]

[١] . التالي MS.
[٢] . أصابه MS.
[٣] . واشتاقت MS.
[٤] . العسالات MS.

1 / 5

وخرافات العجائز وتزاوير القصّاص وموضوعات المتّهمين من المحدّثين رغبة منه في الحبر الّذي طبعه الله عليه وامتعاضا للحق ومناضلة [١] عن الدين واحتياطا له وذبّا عن بيضة الإسلام وردا لكيد مناويه وإرغاما لأنف فاشخيه [٢] وتحرّزا عن أن يصيب الحنق الموتور يلدغ ناره أو يجلد الطاعن مطعنا فتسارعت الى امتثال ما مثّل وارتسام ما رسم وتتبّعت صحاح الأسانيد ومتضمّنات التصانيف وجمعت ما وجدت في ذكر مبتدإ الخلق ومنتهاه ثم ما يتبعه من قصص الأنبياء ﵈ وأخبار الأمم والأجيال وتواريخ الملوك ذوى الاخطار من العرب والعجم وما روى من امر الخلفاء من لدن قيام الساعة الى زماننا هذا وهو سنة ثلاثمائة وخمس وخمسين من هجرة نبيّنا محمد ﷺ وما حكى أنه واقع بعد من الكوائن والفتن والعجائب بين يدي الساعة على نحو ما بيّن وفصّل في الكتب المتقدّمة [Fo ٢ vo] والاخبار المورّخة من الخلق والخلائق وأديان أصناف الأمم ومعاملتهم ورسومهم وذكر العمران من الأرض

[١] . مناصلة MS.
[٢] . فاشحيه -MS.

1 / 6

وكيفية صفات الأقاليم والممالك ثم ما جرى في الإسلام من المغازي والفتوح وغير ذلك ممّا يمرّ بك في تفصيل الفصول وانّما نبهنا على ما أردنا قول الحكماء أوّل العمل آخر التفكر وذاك انّا لما جمعنا جمع ابتداء الخلق ثم لم نجد بدّا من تصحيح الحجاج في إيجاب ابتدائه ولم يصحّ لنا تثبيت [١] ذلك الّا بإثبات مبديه سابقا بخلقه ولا أمكن إثباته الّا بعد بيان طرق التوصّل اليه فابتدأنا بذكر ذرو من حدود النظر والجدل ثم إيجاب إثبات القديم المبدئ المعيد ثمّ ابتداء الخلق ثمّ ما يتلو ذلك فصلا فصلا وبابا بابا حتّى أتينا على آخر ما كان الغرض والمقصود به، ولم يزل أهل الفضل والتحصيل من العلماء والعظماء والملوك في قديم الزمان وحديثه يرغبون في تخليد ذكرهم ويتنافسون في إبقاء رسمهم ويحرصون ان يورثوا من بعدهم ما يؤثر عنهم من منقبة حميدة وحكمة بليغة ترغّبا في اقتناء الفضل واعتقاد الذخائر توخّيا منهم لعموم نفع الخير وتحرّيا لشمول الصلاح والرشد وذلك ثمرة الانسانيّة وغاية ما يؤمّله العقل وتطمح اليه النفس حتّى أن فيهم من

[١] مثبت Ms.

1 / 7

اقتحم الممالك آنفا لذكر شجاعته ومنهم من خرق بمضنون النفائس ومنهم من تكلّف لطائف النوادر بالأثارة [١] والاستنباط ومنهم من رفع منارا أو بنى بناء أو انبط ماء كلّ يجرى على قدر الهمم والإرادات لم يوجد واحد منهم خاليا عن خصلة من الخصال وان عميت الأبناء دونها ل الّذي دعا فلانا ادام الله تمكينه الى الاقتداء بهم والارتياح الى الأخذ بأخذهم والتأسي باسوتهم لما خصّه الله به من كريم الطبع وشرف الهمّة وبعد الغور وبغية الصلاح وحبّ الخير ثم ما يرجوه من حسن الثواب وكريم المآب بما عسى الله ان يبصّر به مستبصرا أو يرشد مسترشدا ويهدى ضالّا ويردّ غاويا وقد وسمت هذا الكتاب بكتاب البدء والتاريخ وهو مشتمل على اثنين وعشرين فصلا يجمع كلّ فصل أبوابا واذكارا من جنس ما يدلّ عليه، الفصل الأوّل في تثبيت النظر وتهذيب الجدل، وهو يجمع القول في معنى العلم والجهل والقول على كمية العلوم ومراتبها وأقسامها والقول في العقل والمعقول والقول في الحسّ والمحسوس

[١] . بالاثاره Ms.

1 / 8

والقول في درجات المعلومات والقول في الحد والدليل والعلّة والمعارضة والقياس والنظر والاجتهاد والقول في الفرق بين الدليل والعلّة والقول في الحدود والقول في الاضداد والقول في حدث الاعراض والقول على أهل العنود [١] ومبطلى النظر والقول في مراتب النظر وحدوده والقول في علامات الانقطاع [FO ٣ RO] الفصل الثاني في إثبات الباري وتوحيد الصانع، وهو يجمع الدلائل البرهانيّة والحجج الاضطراريّة والقول في جواب من يقول ما هو ومن هو وكيف هو والقول بأن الباري واحد وفرد لا غير والقول بإبطال التشبيه، الفصل الثالث في صفات الباري وأسمائه، وهو يجمع القول في الصفات والقول في الأسامي وما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز واختلاف الناس فيه، الفصل الرابع في تثبيت الرسالة وإيجاب النبوّة، وهو يجمع اختلاف الناس فيه وإيجابه بحجّة العقل والقول في كيفيّة الوحي والرسالة على ما جاء في الأخبار،

[١] . المعهود Ms.

1 / 9

الفصل الخامس في ذكر ابتداء الخلق، وهو يجمع إيجاب حدث الخلق وإيجاب ابتدائه بالدلائل والحجج وقول القدماء في إيجاب الخلق وابتدائه وذكر حكايات أهل الإسلام عنهم وذكر مقالات الثنوية والحرّانية والمجوس وذكر مقالات أهل الكتاب فيه وذكر قول أهل الإسلام في المبادي وذكر ترجيح أصوب المذاهب وذكر ما خلق في العالم العلوي من الروحانيّات وأول ما خلق في العالم السفلي من الجسمانيّات وسؤال السائل ممّ خلق الخلق وفيم خلق وكيف خلق ومتى خلق ولم خلق، الفصل السادس في ذكر اللوح والقلم والعرش والكرسيّ وحملة العرش والملائكة وصفاتها واختلاف الناس فيها والقول في الملائكة أمكلّفون هم أم مجبورون وانهم أفضل من صالح وذكر ما جاء في الحجب وما جاء في سدرة المنتهى وذكر الجنّة والنار وذكر صفة النار وذكر اختلاف الناس في الجنة والنار وذكر صفة أهل النار وذكر اختلاف الناس في بقاء الجنّة [والنار] وفنائهما وذكر اختلاف الناس في هذا الفصل وذكر الصراط والميزان والحوض والصور

1 / 10