أ، ب، ج هم الكسالى والظالمون المستبدون بمال أو جاه أو غيرها، د، ه، و، هؤلاء هم المتعلمون الذين تنزلوا بالشهوات أسفل من الحيوان بالمكر والكذب والجبن وغيرها مما لم يجمعه حيوان، ولكن فيهم فضيلة يرقون بها عن الحيوان وإليها الإشارة بحروف ز، ح، ط.
فقال: انظر. فنظرت. فقال: إن تعاليمكم مشوهة ناقصة، مزيج من علم ودين وأخلاق وعصبية وتنازع وتدافع.
فهذه الخطوط الثلاثة المعوجة مثال لبعض القائمين بسياسة الأمم ممن تخرجوا من المدارس الكلية في الشرق والغرب، فإنهم جمعوا بين فضيلة الملائكة بالإحسان والحب العام وبين رذائل أسفل من عالم الحيوان، وأدنى من طبقات البهائم، فبينما ترى الرجل عالما جليلا مغرما بالخير، أرفع من الحيوان، تلقاه ماكرا كاذبا فاتكا، فهو بالأولى أرقى من الحيوان، وبالأخرى أسفل منه في هاوية النقصان، وترى الأسد لا يعلو إلى فضيلته، ولا ينحط إلى رذيلته، فالخط الأوسط رسمناه وحدة تقاس عليها الإنسانية، فما علا فهو إنسان، وما سفل فهو شيطان، وأشرفكم اليوم جمع بين النقيضين، ومزج بين الضدين، فهو من وجه أرقى من الحيوان، ومن آخر أسفل كالشيطان، فذهب شره بخيره، وقبحه بحسنه، ورديئه بجيده، وأسفله بعاليه.
وأما الخطوط الثلاثة المستقيمة خلف الخط الأوسط فإنها تمثل حال الإنسان الذي عاش شريرا، وفرح بما يصيب الناس من أذى، وقر عينا بمساويهم، حتى إذا سمع بنعمة أنعم الله بها على غيره ساءته، أو أصيب بمصيبة سرته، ويأكل بالسرقة، ويعيش بالخيانة، تسبيحه الكذب، وصلاته الغيبة، وزكاته النميمة.
فهل رأيت حيوانا جمع سائر صنوف الشرور والرذائل على مثاله، وهل علمت ضبعا أو كلبا اتصف بخلاله؟ قلت: كلا. قال : أولئك أسفل من الحيوان، وهم أمثال الشيطان، ثم قال: وإذا نظرت إلى نسائكم الجاهلات، وعامتكم السفهاء، وأراذلكم الأدنياء ، وغوغائكم الحمقاء، فإنك تراهم دائما يكيدون، ويمكرون، ويكذبون، فكيف يمدح بهذه الخلال التي عرفها الجاهلون من تعلموا في كلياتكم، فيقولون: سواس ماهرون وقواد قاهرون، اختلفت الأسماء، والمسمى واحد، بل العبيد والأذلاء والجبناء في ذلك المكر أساتذتهم، وهم فيه أئمتهم الأولون.
هذا تاريخ حياتكم ومثال خصالكم، الغضب في جبلتكم وقد أثرتموه حتى أوقد نار الحرب في أرضكم، وجعلكم سلفا ومثلا للآخرين، وأنت تعلم أن في علم الطبائع أعضاء أثرية يحيى بها الحيوان حينا، ثم تصير فيه آثارا ودلائل، بعد أن كانت ذات أعمال نافعة مادية.
فلو أنكم يا معشر الإنسان وجهتم هممكم العلية، ونفوسكم القدسية إلى إثارة ثائرة الحب الإنساني، والتعاشق الودي لأصبحتم في الأرض إخوانا، ولغدا ذلك الغضب الإنساني أشبه بالغدد الأثرية في الأجسام الحيوانية.
فقلت: إني أريد أن أعلم إيضاح هذا المثل كيف رسمته، وعلى أي ناموس طبيعي وضعته. فقال: ذلك مثل رقاص الساعة «البندول» الساقط من أعلى إلى أسفل وفي أطرافه كرات الرصاص متجها نحو الأرض الجاذبة كما تجذب الطبيعة الأرضية ما حولها من الأجسام، فتعاليم كلياتكم ومدارسكم ترفع أخلاقكم إلى الأعلى، ولكنكم لا تزالون في الشهوات منغمسين، وتتنزلون عن درجة الحيوان جاهلين.
ألا ترى كيف رفعت الرءوس الثلاثة عن الخط الحيواني بالتعليم عند ز، ح، ط، وارتطمت من أسافلها في أوحال الظلم وسجين الرذائل عند د، ه، و.
وأما ثلاثة الخطوط المستقيمة شمال الخط الحيواني فذلك مثل ضرب للذين يتعلمون في مدارس اللصوص أو يتبعون خطوات الظالمين، وطعامهم من فضلات موائدهم، ولا خير لهم إلا فيما يسلبون وينهبون، فمثلهم كمثل الضبع والثعلب يغتذيان بما ألقت الآساد، أو كأنهم الحدأ «جمع حدأة» تتبع الرمم غادرتها العقبان، فتأكل فضلاتها، وتطعم عظمها المعروق ولحمها المنبوذ، ذلك إيضاح المثل المسطور فيما رسمناه.
Unknown page