قال: أخلاقكم أخلاق حيوانية، ورب السماوات العلية، لو أنكم بعقولكم ناظرون، وللحقائق مقدرون، لعقلتم العطايا الضرورية، ولم تجزعوا على ما فاتكم من الفضلات، وما هو كنز لما هو آت، فمن يحزن لمال مفقود، أو لرياسة أو لذهب أو فضة، وهو غافل عن هذه السماء وجمالها، والأرض وبهائها، والهواء ونسيمه، بحيث لا يحس بنعمتها، ولا يقنع عقله بقيمتها، وإنما هو غافل إلا عما خص به، جاهل إلا بما كنز، فهو حري أن يتغاضى عن الروح الإنسانية، والاشتراك في الأعضاء الجسمية، والمنافع البشرية، ويتلهى بسواد الجلد وبياضه، أو يتعصب لمن تلون عقله بدين أو عقيدة تخالف مشربه، أو سكن في قارته أو عاش في مملكته، أو تكلم بلغته، أو عاهده على الكر والفر والضر والنفع، أو صاهره للإقدام والإحجام، كل ذلك لجهلكم يا معشر بني الإنسان.
إن اللغة والوطن، والدين والمعاهدة الدولية ومصاهرة الملوك وتلون الجلد، كل ذلك لا يغير الإنسانية ولا يخل بالقضية، هذا فهمته من قضية الأسود والأبيض، وإذن ضاع الحق فيما بينكم، ولا عدل في الأرض. فقلت: لقد بين روسو من علماء فرنسا عقده الاجتماعي، موضحا فيه كيف تنتخب الأمة أعضاءها ونوابها، وكيف يولون الرؤساء والوزراء، وأبان أنهم مسئولون، فيعزلون إذا ضلوا الطريق، وحادوا عن الحق، ومالوا عن الصراط السوي، فقامت قائمة الجمهوريات في الأمم ومنها ممالك ملوكية، وشايعه منتسكيو في رأيه، ثم نازعه في سلطة القضاء، فحكم أن لا يعزل القضاة ما داموا أحياء، على شريطة صدقهم وعلمهم، وجعل أمرهم لنواب الأمة، والتشريع للنواب، وسلطة التنفيذ لمن يولون، والقضاء حرا لا سلطان عليه إلا للأمة، وهذا المنهج سار عليه كثير من الأمم.
فقال: هذه عارضة من عوارض النظام الإنساني، وجزئية من جزئيات علم الاجتماع في الأرض، وما هو إلا أنه مثل حال الصبيان في لعبهم، إذ يتفقون ويتحدون على أكثرهم نشاطا وأفصحهم لسانا، وأحبهم لإخوانه، وأعطفهم على مجموعهم، فيصطفونهم، ويقلدونهم أمور لعبهم، ونظام عملهم، حتى إذا حادوا عن الجادة ولوا غيرهم مكانهم، فما قاله روسو ومنتسكيو تعليم للكبار ما ستر عنهم الجهل والشهوات والمصائب، والتعاليم الباردة الحاجبة للعقول عن فطرتها، والصادة للنفوس عن حكمتها.
فالناس في طفولتهم مطبوعون على النظام والجمهوريات، فيصادفهم في طريقهم ويعارضهم في سيرهم رجل الدين المقلد، وعالم السياسة، والتربية، والعادات، وسوء الملكات، فتنسيه فطرته، وتوقعه في حيرته، فذكره أولئك العلماء بفطرته، وهذا ليس إلا عارضة من عوارض حياتكم الإنسانية، فهل هذه صورتكم عند التعصب للأوطان واللغات وما أشبهها؟
وليس روسو ومنتسكيو وأضرابهم بناظرين للنوع الإنساني ورقيه، إنما دفعوا جزءا عارضا، وأزاحوا ظلما يسيرا، والإنسان لا يزال في ظلمه جاهلا باغيا حاسدا محاربا، وهل هناك قانون يشمل الممالك وسائر الدول؟ فقلت: عندنا الشرائع والقوانين في الممالك. فقال: وهل هناك قانون يشمل الممالك وسائر الدول بحيث لا يظلمون ولا يظلمون؟ وقد علمت ما لديكم من المدافع والبارود والحصون، وبالإجمال إن الذي حرض البيض على السود الإقبال على الأعراض، والجهل بجواهر الأشياء.
إن التعليم في مدارس الكرة الأرضية ناقص مبتور، وإلا فبالله، ما الذي جعل هؤلاء البيض يغضبون على السود، أليس لما يفعله معلموكم، يقولون: جنس أبيض وجنس أسود وأحمر إلخ، والحقيقة أنكم نوع واحد، لا يفرقه لون الجلد ولا العقيدة في القلب، ولا تباعد المكان ولا تعاهد الملوك، ولا اختلاف اللغات، وإن المعلمين لجهلهم يفضلون لونا على لون، وأمة على أمة. عيب وجهل فاضح، يوغرون صدور الصبيان المساكين.
الصبيان يخلقون على الفطرة، وتعليم الأمم في مدارسها مشحون بالنقص والجهل، يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا، فهذا هو السر في حربكم وجهلكم، وأن يقتل بعضكم بعضا وافتخاركم بما أنتم فيه تخوضون، فما حياتكم إلا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد والدول والمدافع والبارود، كل ذلك على القوت واللباس وما يؤدي إليهما من متاع، والحمار والأرنب والنعجة قد كفيت ذلك، فأكلت وشربت، ولبست، وأنتم بما تعملون تظنون أنكم أشرف الحيوان وأعلى طوائفه، وأنتم لا تشعرون.
أولا تخجلون أن تروا النعجتين تلعبان وترتعان وتأكلان، إحداهما بيضاء والأخرى سوداء ولم يعقهما لونهما عن أن تأتلفا، بل إنهما نظرتا لجوهرهما لا لعوارضهما، أولا ترون البقرة السوداء والحمراء ترتعان في روض واحد، أولا تشاهدون الحمام الأسود والأبيض وهو يطير بلا عداء ولا نفور.
قتل الإنسان اليوم ما أكفره! كيف تحجزكم الأوطان أن تتقاربوا وقد أحس أهل الشرق بما أصاب أهل الغرب من الزلزال في إيطاليا، فرحمهم الصديق والعدو، والبعيد والقريب، ولم يصدهم حاجز الدين ولا اللغات، ولا الأوطان، ألا فلتقرءوا فطرتكم، ولتفهموا عقولكم، وكيف تحجزكم اللغات وأنتم ترون الطيور لكل طائفة لغتها في مشارق الأرض ومغاربها، ولكم أنتم لغة واحدة؛ لغة التصوير التي عمت مدارسكم في سائر ممالك الأرض.
ولقد كان التعبير عن صور المحسوسات والمعقولات أول لغاتكم، فلما أن تفننتم في مآكلكم، ومشاربكم ومعارفكم اصطلح كل فريق على مقاطع وضعها للتعبير عن تلك الصور المشاهدة، فتصورتم الحروف الهجائية الدالة على الصور دلالة اصطلاحية على المعاني، فهل الاختلاف في التعبير يدعو للبغض والنفور.
Unknown page