قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده فى الحقّ سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن
ــ
فيه كمال سخائه، ومروءته، وحيائه، ومن ذلك الميسور: أن يعده العطاء إذا جاء أحد شىء، كما وقع له مع كثيرين، بل لما استخلف أبو بكر وجاءه مال قال: من كان له على رسول الله ﷺ عدة فليأتنا، فجاءه الذين كان وعدهم ﷺ فوفى لهم أو يرغبه عن الدنيا وزينتها، حتى يخرج حبها عن قلبه أو يشفع له إلى من يعطيه من مياسير أصحابه بسطه بشره، وطلاقة وجهه وخلقه، أى: أمر ذاته الظاهرة والباطنة. (فصار لهم أبا) فى الشفقة والرحمة وأعظم من أب، لأن غاية الأب أن يسعى فى صلاح الظاهر، وهو ساع فى صلاح الظاهر والباطن، ومن ثم أشفق على أهل الكبائر من أمته وأمرهم بالستر فقال: «من بلى بهذه القاذورات-يعنى المحرمات-فليستتر» وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود، ويترحموا عليه لما سبوه ولعنوه، فقال: «قولوا: اللهم اغفر له اللهم ارحمه»، وقال لهم فى رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر فلعنوه مرة، فقال: «لا تلعنوه فإنه يحبّ الله ورسوله». (وصاروا عنده فى الحق سواء) أى سواء توصل إليهم من معارفه وعلومه ما يستحقونه من غير أن يميزّ أحدا منهم على مساويه فى التأهل لقبول ذلك والاستعداد له لكمال عدالته ﷺ. (مجلس علم) نبيهم إياه. (وحياء) عظيم يتحلون به، ومن ثم كانوا يجلسون فيه على غاية من الأدب كأن على رءوسهم الطير. (وصبر) منه على جفائهم. (وأمانته) منهم على ما يقع فيه بحيث لا يمكن أحدا أن يزيد على ذلك، أو ينقص منه شيئا وإن قل، وذلك لما أنه كان فى مجلس تذكير بالله، وترغيب فيما عنده، وترهيب من سطوات انتقامه، إما بإقرائهم القرآن غضا طريا، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليمهم أحكام دينهم وأسراره الظاهرة والباطنة، فترق قلوبهم ويزهدون فى الدنيا، ويرغبون فى الآخرة، ومن ثم قال أبو هريرة كما عند أحمد وغيره: «قلنا: يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا فى الدنيا، وكنّا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك وعافينا أهلنا وشمّنا أولادنا، أنكرنا قلوبنا فقال ﷺ: «لو أنكم إذا خرجتم من عندى كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة فى بيوتكم» الحديث. (لا ترفع فيه الأصوات) لأنهم كانوا على غاية الخضوع والتأدب والإطراق كأنما على رءوسهم الطير، فليسوا ككثيرين من طلبة العلم يرفعون به أصواتهم فى درسهم ومجالسهم، إما لرياء، أو لعدم فهم، أو
1 / 490
تصدير
جواهر الدرر في مناقب ابن حجر
تنبيه بيان المقصود بالرموز الواردة بالشرح
١ - باب: ما جاء فى خلق رسول الله ﷺ
٢ - باب: ما جاء فى خاتم النبوة
٣ - باب: ما جاء فى شعر رسول الله ﷺ
٤ - باب: ما جاء فى ترجل رسول الله ﷺ
٥ - باب: ما جاء فى شيب رسول الله ﷺ
٦ - باب: ما جاء فى خضاب رسول الله ﷺ
٧ - باب: ما جاء فى كحل رسول الله ﷺ
٨ - باب: ما جاء فى لباس رسول الله ﷺ
٩ - باب: ما جاء فى عيش رسول الله ﷺ
١٠ - باب: ما جاء فى خف رسول الله ﷺ
١١ - باب: ما جاء فى نعل رسول الله ﷺ
١٢ - باب: ما جاء فى ذكر خاتم رسول الله ﷺ
١٣ - باب: ما جاء فى تختم رسول الله ﷺ
١٤ - باب: ما جاء فى صفة سيف رسول الله ﷺ
١٥ - باب: ما جاء فى صفة درع رسول الله ﷺ
١٦ - باب: ما جاء فى صفة مغفر رسول الله ﷺ
١٧ - باب: ما جاء فى عمامة رسول الله ﷺ
١٨ - باب: ما جاء فى صفة إزار رسول الله ﷺ
١٩ - باب: ما جاء فى مشية رسول الله ﷺ
٢٠ - باب: ما جاء فى تقنع رسول الله ﷺ
٢١ - باب: ما جاء فى جلسته ﷺ
٢٢ - باب: ما جاء فى تكأة رسول الله ﷺ
٢٣ - باب: ما جاء فى اتكاء رسول الله ﷺ
٢٤ - باب: ما جاء فى أكل رسول الله ﷺ
٢٥ - باب: ما جاء فى صفة خبز رسول الله ﷺ
٢٦ - باب: ما جاء فى إدام رسول الله ﷺ
٢٧ - باب: ما جاء فى صفة وضوء رسول الله ﷺ عند الطعام
٢٨ - باب: ما جاء فى قول رسول الله ﷺ قبل الطعام، وبعد الفراغ منه
٢٩ - باب: ما جاء فى قدح رسول الله ﷺ
٣٠ - باب: ما جاء فى صفة فاكهة رسول الله ﷺ
٣١ - باب: ما جاء فى صفة شراب رسول الله ﷺ
٣٢ - باب: ما جاء فى شرب رسول الله ﷺ
٣٣ - باب: ما جاء فى تعطر رسول الله ﷺ
٣٤ - باب: كيف كان كلام رسول الله ﷺ
٣٥ - باب: ما جاء فى ضحك رسول الله ﷺ
٣٦ - باب: ما جاء فى صفة مزاح رسول الله ﷺ
٣٧ - باب: ما جاء فى صفة كلام رسول الله ﷺ «فى الشعر»