Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya
مقالات موقع الدرر السنية
Publisher
موقع الدرر السنية dorar.net
الحوار بين الأديان (حقيقته وأنواعه)
عبد الرحيم بن صمايل السلمي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإنَّ اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين، لحكمة عظيمة وغاية جليلة وهي الابتلاء والاختبار يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، والمراد بالاختلاف هنا: الاختلاف في الدين (١) وليس في الألوان والأذواق واللغات ونحوها.
وأعمق خلاف بين الأديان هو الخلاف الواقع بين المسلمين وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) على وجه الخصوص، فمنذ أن حاربهم رسول الله ﷺ وأصحابه وإلى آخر الزمان عندما ينزل عيسى ﵇، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة محمد ﷺ، والخلاف مستمر والصراع محتدم بأساليب متنوعة وطرق متباينة.
وفي هذا الوقت وبالتحديد منذ منتصف القرن الماضي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (١٩٦٢ - ١٩٦٥م) ظهر تطور جديد في أسلوب التنصير والتبشير وهو التنصير تحت عباءة الحوار والتقارب وتفاهم الآخر والاعتراف به والتعاون على القضايا المشتركة بين الأديان، وهذا التطور الجديد عند النصارى هدفه بالدرجة الأولى تدارك النصرانية التي نُكِّست أعلامها بعد هزائمها المتتالية أمام العلمانيين، لا سيما وأن المجتمع الغربي يحمل تصورًا سلبيًا عن الكنيسة في العصور الوسطى وعصر النهضة والعصر الحديث مما جعل العالم الغربي المفتوح - الآن - للأديان يشكل خطرًا على الكنيسة في المستقبل، لا سيما مع الازدياد الملحوظ في الدخول في الإسلام بين النصارى.
وقد جاء ت فكرة الحوار بين الأديان عند الكنيسة الكاثوليكية مع تجديدات أخرى في الدين النصراني ومنها: توسيع مفهوم الخلاص ليشمل النوع الإنساني بأكمله، وتبرئة اليهود من دم المسيح، والتعاون بين فرق النصرانية المختلفة (الأرثوذكس - والبروتستانت).
ويعتبر هذا التطور في الديانة النصرانية أبرز التطورات بعد مجمع نيقية الذي عقد في سنة ٣٢٥م، الذي قرروا فيه عقيدة التثليث، وأعلن دينًا رسميًا للدولة الرومانية بعد اعتناق قسطنطين للنصرانية.
فهذه الفكرة "الحوار بين الأديان" منشؤها الأصلي من الكنيسة الكاثوليكيّة وأكثر جمعيات الحوار ومؤتمراته منها، وهذا في حدِّ ذاته مؤشرٌ للأهداف الخبيثة فيه، ومع كثرة المؤتمرات واللقاءات المعقودة في هذا الشأن إلا أنها لم تفد شيئًا يذكر في مجال التقارب الحقيقي وبناء أعمال مؤسسية لهذا الغرض، فبعد مفاوضات مرثونية طويلة ومملّة لم يتوصل الإسلاميون المشاركون فيها إلى الاعتراف من النصارى بأن محمد ﷺ نبينًا من الأنبياء، وله رسالة صحيحة كغيره من الأنبياء، وهذا ما أغضب بعض المشاركين بدرجة كبيرة في المؤتمرات الأخيرة إلى درجة التلويح بمقاطعة هذه الحوارات العقيمة.
(١) انظر: تفسير الجلالين ص/ ٤٨٢
3 / 212