456

البراهين والتجربة ، تدل على ذلك أيضا ، دعوة الأنبياء والشرائع الحقة ، الناس ، للتخلق بالصفات الحميدة ، والابتعاد عما يقابلها من الخلق السيء .

ولا بد من معرفة أن علماء الأخلاق أرجعوا كافة الفضائل النفسية ، إلى أمور أربعة هي : الحكمة ، العفة ، الشجاعة ، العدالة ، اعتبروا الحكمة فضيلة للنفس الناطقة التي تميز وتفرق الإنسان عن غيره . والشجاعة من فضائل النفس الغضبية . والعفة من فضائل النفس الشهوية والعدالة ؛ ترعى الفضائل الثلاثة . كما وأن علماء الأخلاق أرجعوا جميع الفضائل والكمالات النفسية إلى هذه الفضائل الأربعة . ولا يتناسب التفصيل في كل واحدة من هذه الفضائل الأربعة مع حجم هذا الكتاب ، ولا مجال لأمثالنا الإسهاب في ذلك . وما يجب فهمه هو أن المستفاد من الحديث الشريف المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (1) إن سبب بعث الأنبياء ، والدافع لدعوة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ، هو إكمال مكارم الأخلاق . وإن الأخبار الشريفة قد أبدت الاهتمام الكبير ، إجمالا وتفصيلا بمكارم الأخلاق أكثر من أي شيء آخر بعد الاهتمام بالمعارف الإلهية . ونحن سنذكر بعض تلك الأخبار بعون الله ، كما وأن أهمية الفضائل الخلقية أكبر من قدرتنا على شرحها وبسط الحديث فيها ، ولكن لا بد وأن نقول بأن أساس الحياة الأبدية الأخروية ، ورأس مال العيش في تلك النشأة ، الخلق الفاضل ، والاتصاف بمكارم الأخلاق ، وأن الجنة الممنوحة للإنسان من جراء خلقه الكريم المسماة بجنة الصفات ، أفضل بكثير من جنة الأعمال الجسمانية والتي فيها ما طاب ولذ ، بصورة أفضل وأحسن من النعم المادية الجسمانية ، كما أن فيها ظلمات وأهوال نتيجة الأعمال السيئة للإنسان ، أسوأ من أي عذاب أليم .

ويستطيع الإنسان ما دام حيا ، أن ينقذ نفسه من هذه الظلمات ، ويبلغ بها عالم الأنوار . نعم يستطيع البلوغ إلى ذلك ، ولكن لا مع هذه البرودة والخمود والفتور والإهمال الذي أصابنا ، حيث نرى جميعا بأننا منذ أيام الطفولة ننمو على الخلق الذميم والسلوك المنحرف ، الذي أقترفناه من جراء هذه الحالات السيئة من العشرة اللامسؤولة ، والاختلاط غير اللائق ، ونحافظ عليها ، بل نضيف في كل يوم على تلك الصفات البشعة ، جريرة أخرى ، وكأننا لا نعتقد بوجود عالم آخر ونشأة باقية أخرى . نصف بيت شعر :

الويل لي إذا كان عقيب هذه الحياة الدنيوية حياة أخرى !

كأن دعوة الأنبياء والأولياء عليهم السلام لا تعنينا ، وعليه لا نعلم إلى أين نصل مع هذه الأخلاق التي نتصف بها ، ومع هذه الأعمال التي نقترفها ؟ وفي أي صورة نحشر يوم القيامة ؟

Page 460