424

بالتكاليف الإلهية ، بل إن جميع الأعضاء ، والجوارح والقوى ، أمانات للحق المتعالي واستعمالها على خلاف رضا الحق سبحانه ، خيانة ، كما أن توجيه القلب إلى غير الحق يعد من الخيانة . بيت شعر :

هذه الروح التي أعارها لي الصديق الحميم

سأرجعها إليه في اليوم الذي أرى وجهه .

أو أن المقصود من الخيانة نفس المعنى المتعارف ، ويكون وجه التخصيص بذكرها لأجل شدة الاهتمام بالخيانة ، فكأن الورع كل الورع هو الابتعاد عن خيانة الأمانة .

ومن يرجع إلى أخبار المعصومين عليهم السلام المأثورة في رد الأمانة والابتعاد عن الخيانة ، لأدرك حجم اهتمام الشارع المقدس بهذا الموضوع . ويضاف إلى ذلك هو أن قبحها الذاتي لا يخفى على أحد . وأنه يجب إخراج الإنسان الخائن من المجتمع البشري ، وإلحاقه بأرذل الشياطين . ومن المعلوم أن الإنسان الذي يشتهر بين الناس بالخيانة ، تضيق عليه الحياة وتصعب ، حتى في هذا العالم أيضا .

إن البشر بصورة عامة يعيشون مع بعضهم البعض في ظل التعاون والتعاضد حياة سعيدة ، ولا يمكن لأحد ، الحياة بصورة منفردة ، إلا إذا غادر المجتمع البشري وإلتحق بالحيوانات الوحشية . ثم إن العجلة الكبيرة التي تدور لتحريك الحياة الأجتماعية ، هي اعتماد الناس بعضهم على بعض ، فإذا زال الاعتماد وتلاشت الثقة ، لما تمكن الإنسان أن يعيش هنيئا رغيدا . إن الركيزة الأساسية للاعتماد المتبادل بين الناس قائمة على الأمانة وترك الخيانة ، فلا يحظى الخائن ، بالاطمئنان لدى الناس ويعد مارقا على المدنية وخارجا عن العضوية للمجتمع البشري وتكون عضويته مرفوضة لدى أصحاب المدينة الفاضلة . ومن الواضح أن مثل هذا الإنسان يعيش حياة ضنك وفي صعوبة بالغة .

ونحن لأجل تتميم الفائدة ، نذكر في هذا الباب بعض الأحاديث المنقولة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام ، إذ تكتفي بها القلوب الواعية ، والأعين الباصرة .

محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : «لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ، ولكن أنظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته» (1) .

وبإسناده عن أبي كهمس قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : «عبد الله بن أبي يعفور يقرئك السلام . قال : عليك وعليه السلام ، إذا أتيت عبد الله فأقرئه السلام وقل له : إن جعفر بن محمد يقول الاربعون حديثا :429

Page 428