411

الاربعون حديثا :415

وإن كان من أهل الشقاء والجحود والكفر والنفاق والأعمال القبيحة والأفعال السيئة ، انكشف عليه بقدر نصيبه من دار الدنيا وما وفره واكتسبه لنفسه منها من آثار السخط الإلهي والقهر ، ونموذجا من دار الأشقياء ، فيدخل الذعر والهلع في نفسه بدرجة لا يكون أبغض شيء عنده ، من التجليات الجلالية والقاهرة للحق المتعالي ويستولي عليه من جراء هذا البغض والعداوة الشديدين ، الضغوط والظلام والصعاب والعذاب ، لا يعرف حجمها أحد إلا الذات الحق المقدس ، وهذه المحن تكون لمن كان من الجاحدين والمنافقين ومن أعداء الله وأعداء أوليائه في هذه الدنيا . وينكشف على أهل المعاصي والكبائر ، بقدر أجتراحهم للسيئات ، نموذجا من جهنمهم ، فلا يكون شيء عندهم أبغض من الرحيل من هذا العالم ، فيرحلون بكل عنف وقسوة وعذاب ، وفي نفوسهم حسرات لا تتحقق في هذه الأحوال .

ويستفاد من هذا البيان أن الإنسان لدى الاحتضار والمعاينة ، يشاهد ما كان فيه وهو غير واقف عليه ، رغم أنه بذر بنفسه هذه المعاينة والمشاهدة في عالم وجوده .

إن الحياة الدنيوية ، كانت ستارا ملقى على عيوبنا ، وحجابا على وجه أهل المعارف ، وعندما يزاح هذا الستار ، ويخترق هذا الحجاب ، يرى الإنسان أنموذجا ، مما أعده ، ومما كان فيه .

إن الإنسان لا يرى في العوالم الأخرى من العذاب والعقاب ، إلا ما وفره وهيأه في هذه الدنيا ، ولا يشاهد في العالم الآخر إلا صورة ما أنجزه في هذا العالم من الأعمال الصالحة والخلق الحسن ، والعقائد الصحيحة ، مع رؤيته لما يتفضل عليه الحق المتعالي بلطفه من الكرامات الأخرى .

يروي صاحب كتاب تفسير (الصافي) عن (مجمع البيان) في ذيل الآية المباركة «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الخ» (1) حديثا عن أمير المؤمنين عليه السلام وفيه «هي هذه الآية أحكم آية في القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسميها الجامعة» (2) .

فلا بد وأن نعلم بأننا إذا تعلقنا بالحق المتعالي وأوليائه ، ووضعنا في رقابنا حبل طاعة الذات المقدس ، وجعلنا اتجاه القلب إلهيا وربانيا ، لظهرت أمامنا حين النزع ، الحقائق بعينها في صور بهية . وعلى العكس إذا كانت قلوبنا ذات صبغة دنيوية ، وانصراف عن الحق ، فمن الممكن أن تبذر فيها شيئا فشيئا بذور عداوة الحق والأولياء ، وتشتد هذه العداوة ، حين المعاينة ، فتظهر آثارها الغريبة الموحشة كما قد سمعت .

Page 415