Al-arbaʿūn ḥadīthan
الاربعون حديثا
علي بن أبي طالب عليه السلام من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله ، وما عرض له أمران كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما عليه في بدنه (دينه خ ل) وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلة قط إلا دعاه ثقة به ، وما أطاق أحد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الامة غيره ، وإن كان ليعمل عمل وجل كان وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه .
ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار مما كد بيديه ورشح منه جبينه . وإنه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة ، وما كان لباسه إلا كرابيس إذا فضل شيء عن يده دعا بالجلم فقصه .
وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين عليهما السلام ، ولقد دخل أبو جعفر عليه السلام ابنه عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه قد اصفر لونه من السهر وومضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته وإنخرم أنفه من السجود وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة .
وقال أبو جعفر عليه السلام : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال . إلا البكاء فبكيت رحمة له فإذا هو يفكر ، فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي فقال : يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام ، فأعطيته فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجرا وقال : من يقوى [على] عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام» (1) .
وعن أبي جعفر عليه السلام : «كان علي بن الحسين عليهما السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وكان الريح تميله مثل السنبلة» (2) .
عزيزي : فكر قليلا في هذه الأحاديث الشريفة ، وانظر إلى الإمام الباقر عليه السلام المعصوم الذي بكى من شدة وكيفية عبادة أبيه . وإلى الإمام السجاد عليه السلام رغم شدة محافظته على العبادة وكمالها والتي بعثت على بكاء ابنه الإمام الباقر عليه السلام ، أنه صلوات الله عليه قرأ شيئا يسيرا من صحيفة عمل جده علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأظهر عجزه . ومن المعلوم أن الجميع عاجزون عن عبادة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، وأن الناس عاجزون عن عبادة المعصومين عليهم السلام ، ولكن لا يجوز للإنسان العاجز عن نيل المقام العالي أن يترك العبادات نهائيا .
لا بد من معرفة أن هذه العبادات والعياذ بالله لا تكون عبثا ، بل إن إبداء أهل المعرفة الحقيقيين العجز والذل وإلحاحهم في الدعاء والمسألة ، من أجل أن الطريق ضيق ومحفوف الاربعون حديثا :401
Page 400