Al-arbaʿūn ḥadīthan
الاربعون حديثا
صورا ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم كما قاله جماعة من المفسرين في قوله تعالى « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا» ويرشد إليه قوله تعالى « يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» ومن جعل التقدير ليروا جزاء أعمالهم ولم يرجع ضمير يره إلى العمل فقد بعدعن الحق) (1) . انتهى كلامه رفع مقامه الشريف .
وفي هذا المقام كلام غريب صدر من بعض المحدثين الأجلاء والأولى عدم ذكره ، وهو ينبع من توهم المنافاة بين القول بتجسم الأعمال ، والقول بالمعاد الجسماني مع أن هذا الكلام تجسم الأعمال يؤكد المعاد الجسماني وكلمة «تمثل» في هذا الحديث الشريف تعطي نفس معنى التمثل المذكور في قوله تعالى :
« فتمثل لها بشرا سويا» (2) والذي هو التمثل بالصورة الجسمانية حقيقة ، وليس بمعنى الوهم والخيال والرؤيا في المنام . وليس من المستحسن صرف أمثال هذه الآيات والروايات عن ظاهرها لأجل عدم انسجام مضمونها مع عقولنا ، رغم مطابقتها للبرهان القاطع المذكور في محله ، وموافقته لمذهب الحكماء والفلاسفة . فإن من أفضل الأمور التسليم أمام ساحة قدس الحق المتعالي والأولياء المعصومين والإذعان إلى الآيات الشريفة والروايات المباركة .
فعلم أن لكل عمل مقبول لدى ساحة قدس الحق المتعالي صورة بهية حسنة تتناسب معه من الحور أو القصور أو الجنان العالية أو الأنهار الجارية . ولا يوجد كائن على صفحة الوجود جزافا ، بل هناك ارتباطات عقلية بينها لا يدركها إلا الكملين من الأولياء . وعلى أي حال إن هذا الموضوع يتطابق مع مقاييس العقل والبراهين الفلسفية .
ثم بعد أن علم بأن الحياة في عالم الآخرة ولذاتها ترتبط بأعمال تنتقل صورها الكمالية إلى ذلك العالم ، وإن تلك الأعمال عبادات قد اكتشفها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر أمته بها ، وأن كمال العبادة وحسنها منوط بالنية وتوجه القلب والمحافظة على شرائطها ، وأنه إذا فقدت العبادة هذه الأمور أو بعضها ، سقطت عن الاعتبار ، بل كانت لها صورة بشعة مشوهة يلقاها الإنسان في عالم الآخرة ، كما يستفاد ذلك من الأخبار والأحاديث .
بعد أن علمت هذه الأمور ، على كل إنسان مؤمن بعالم الغيب وبأحاديث الأنبياء والأولياء وأهل المعرفة ، وذوي الرغبة في الحياة الأبدية ، أن يصلح أعماله مهما كلفت من مشقة وجهد وترويض للنفس حيث يجب عليه بعد موافقة ظواهر أعماله للقواعد الاجتهادية أو فتوى الفقهاء الاربعون حديثا :399
Page 398