379

ونتصور بأن هذه الكلمات مبتنية على المثال والمجاز والاستعارة والتخمين والتعبير .

نعم ، لما كنا في سبات في هذه الحياة المستعارة ، وكان سكر الطبيعة يداعب رأسنا ولم نفرق بين الحقيقة والمجاز ، يترائى أمام رؤيتنا المجازية النور المجازي لأنه في الحقيقة تترائى في عالم المجاز ، الحقيقة ، مجازا . «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .

وعندما نفتح أعيننا ، نرى العالم نيرا بمثل ما نرى الشمس والقمر نيرين ، فبنوره في هذا العالم ، تضاء القلوب المظلمة ، وتحيي أموات الجهل ، وفي ذلك العالم أيضا نوره يحيط ويشفع ، من خلال إحاطته النورية ، المقتبسين من مشكاة علمه والمرتبطين بساحة قدسه .

ولا بد وأن نعرف بأن العبادة لا تتحقق من دون علم أيضا ، ومن هنا يكون للعابد نور مخصوص به ، بل إن نفس الإيمان وعبادة الحق المتعالي من سنخ النور ولكن نور العابد ، يضيء لنفسه ، وينير تحت أقدامه ، ولا ينير للآخرين ولهذا يكون مثلهم مثل النجوم ليلة البدر ، حيث تختفي أنوارها أمام نور القمر ليلة البدر ، وإنما تضيء لنفسها من دون أن تنفع الآخرين وتسطع لهم . فمثل العابد أمام العالم ، لا يكون مثل النجمة في الليل المظلم حتى ينير قدرا من المساحة المحيطة بالنجمة وإنما يضيء بمثل إضاءة النجمة ليلة البدر حيث تكون ظاهرة وغير مظهرة لشيء آخر .

قال صدر المتألهين قدس سره (أن المقصود من العالم في هذا الحديث الشريف غير العالم الرباني ممن يكون علمه لدنيا وحاصلا بواسطة الموهبة الإلهية كما هو شأن علم الأنبياء والأولياء عليهم السلام ، ويدل على ما ندعيه تمثيله بالقمر إذ لو كان المقصود من العلم ، اللدني منه ، لكان من الجدير به أن يمثل بالشمس لأن نورها بإفاضة من الحق المتعال من دون واسطة شيء آخر من نوعه أو جنسه) انتهى كلامه رفع مقامه .

فصل: في بيان ان العلماء ورثة الانبياء عليهم السلام

هذه الوراثة روحانية ، وولادة العلماء من الأنبياء ولادة ملكوتية ، والإنسان كما يكون حسب نشأته الملكية والجسمية ، وليد الملك والطبيعة فبعد تربية الأنبياء للإنسان ، وحصول مقام القلب له ، تكون له ولادة ملكوتية . وكما أن منشأ تلك الولادة المادية ، الأب الجسماني ، يكون منشأ هذه الولادة الأنبياء عليهم السلام ، فيكونوا الآباء الروحانيين ، وتكون الوراثة ، وراثة روحانية باطنية ، والولادة ولادة ثانوية ملكوتية . وتكون التربية والتعليم بعد الأنبياء من شؤون العلماء ، الورثة الحقيقيين للأنبياء . إن الأنبياء عليهم السلام حسب هذا المقام الروحاني لا يملكون درهما ولا دينارا ولا يلتفتون إلى عالم الملك والشؤون الملكية فتركتهم حسب هذا الاربعون حديثا :384

Page 383