Aqāwīl al-thiqāt fī taʾwīl al-asmāʾ wa-l-ṣifāt wa-l-āyāt al-muḥkamāt wa-l-mutas̱ābihāt
أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات
Editor
شعيب الأرناؤوط
Publisher
مؤسسة الرسالة
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٦
Publisher Location
بيروت
Genres
•Hanbali
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى مرعي بن يُوسُف الْحَنْبَلِيّ الْمَقْدِسِي
الْحَمد لله المنزه عَمَّا يخْطر بالبال أَو يتَوَهَّم فِي الْفِكر والخيال المحتجب برداء الْعِزّ والجلال لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير تحيرت الْعُقُول فِي حَقِيقَة ذَاته وتخبطت الأفهام فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته واندهشت الْأَبْصَار فِي جلال حضراته لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من منحته بغاية تكرمتك وخصصته بمشاهدة رؤيتك وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَقُول سُبْحَانَكَ مَا عرفناك حق معرفتك يَا من لَا مثل لَهُ وَلَا نَظِير وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين سلكوا طَرِيق الْأَدَب مَعَ الله وَرَسُوله وسلموا فَسَلمُوا من مزلة الْقدَم ومذلة التَّقْصِير
وَبعد فَإِن الْعلم بالتفسير أَمر مُهِمّ وَالْعلم بالتأويل أهم وتصفية الْقلب من شوائب الأوهام أَسْنَى وَأتم وَمن السَّلامَة للمرء
1 / 45
فِي دينه اقتفاء طَريقَة السّلف الَّذين أَمر أَن يَقْتَدِي بهم من جَاءَ بعدهمْ من الْخلف فمذهب السّلف أسلم ودع مَا قيل من أَن مَذْهَب الْخلف أعلم فَإِنَّهُ من زخرف الْأَقَاوِيل وتحسين الأباطيل فَإِن أُولَئِكَ قد شاهدوا الرَّسُول والتنزيل وهم أدرى بِمَا نزل بِهِ الْأمين جِبْرِيل وَمَعَ ذَلِك فَلم يَكُونُوا يَخُوضُونَ فِي حَقِيقَة الذَّات وَلَا فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ويؤمنون بمتشابه الْقُرْآن وَيُنْكِرُونَ على من يبْحَث عَن ذَلِك من فُلَانَة وَفُلَان
وإنكار الإِمَام مَالك على من سَأَلَهُ عَن معنى الإستواء أَمر مَشْهُور وَهُوَ فِي عدَّة من الْكتب مَنْقُول مسطور
1 / 46
هَذَا وَقد أَحْبَبْت أَن أذكر بعض كَلَام الْأَئِمَّة الخائضين فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَالصِّفَات الْوَارِدَة فِي الْأَحَادِيث والآيات وَإِن كَانَ الأولى ترك ذَلِك خوف الْوُقُوع فِي الزلل الذميم لَكِن لَا بَأْس بذلك مَعَ قصد الْإِرْشَاد والتعليم
هَذَا وَلم أَقف فِي هَذَا الْفَنّ على مُصَنف وَلم أظفر فِيهِ بمؤلف وَإِنَّمَا جمعته من كَلَام الْأَئِمَّة مفرقا وذممته هُنَا مُلَفقًا يحْتَاج إِلَيْهِ الطَّالِب وَهُوَ من أجل المطالب وسميته
أقاويل الثِّقَات فِي تَأْوِيل الْأَسْمَاء وَالصِّفَات
فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَمِنْه أَرْجُو الْهِدَايَة إِلَى أقوم طَرِيق
مُقَدّمَة
أعلم وفقك الله أَن التَّفْسِير هُوَ بَيَان معنى اللَّفْظ
1 / 47
الْخَفي والتأويل هُوَ أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ مَا يُخَالف ظَاهره أَو هُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره لِمَعْنى آخر وَهُوَ فِي الْقُرْآن كثير وَمن ذَلِك آيَات الصِّفَات المقدسة وَهِي من الْآيَات المتشابهات
وَقد اخْتلفُوا فَقيل الْقُرْآن كُله مُحكم لقَوْله تَعَالَى ﴿كتاب أحكمت آيَاته﴾ هود ١
وَقيل كُله متشابه لقَوْله تَعَالَى ﴿نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها﴾ الزمر ٢٣
وَالأَصَح إنقسامه إِلَيْهِمَا وَالْمرَاد بأحكمت آيَاته أتقنت
1 / 48
وتنزهت عَن نقص يلْحقهَا رب متشابها أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْحق والصدق والإعجاز
وَاخْتلفُوا فِي الْمُحكم والمتشابه
فَقيل الْمُحكم مَا وضح مَعْنَاهُ والمتشابه نقيضه
وَقيل الْمُحكم مَا لَا يحْتَمل من التَّأْوِيل إِلَّا وَجها وَاحِدًا والمتشابه مَا احْتمل أوجها
وَقيل الْمُحكم مَا تَأْوِيله تَنْزِيله والمتشابه مَا لَا يدرى إِلَّا بالتأويل
وَقيل الْمُحكم مَا لم تَتَكَرَّر أَلْفَاظه والمتشابه الْقَصَص والأمثال
وَقيل الْمُحكم مَا يعرفهُ الراسخون فِي الْعلم والمتشابه مَا ينْفَرد الله بِعِلْمِهِ
وَقيل الْمُتَشَابه الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وَمَا سوى ذَلِك مُحكم وَقيل غير ذَلِك
وَقَالَ جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ الْمُحكم مَا عرف المُرَاد مِنْهُ قيل وَلَو بالتأويل والمتشابه مَا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ كالحروف الْمُقطعَة وَهُوَ معنى قَول بَعضهم إِن الْمُحكم هُوَ المكشوف الْمَعْنى الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إِشْكَال وَاحْتِمَال والمتشابه مَا يتعارض
1 / 49
فِيهِ الإحتمال وَيجوز أَن يعبر بِهِ عَن الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة كالقرء وكاللمس المتردد بَين الْمس وَالْوَطْء وَقد يُطلق على ماورود فِي صِفَات الله تَعَالَى مِمَّا يُوهم ظَاهره الْجِهَة والتشبيه وَيحْتَاج إِلَى تَأْوِيله
قيل وَالْحكمَة فِي الْمُتَشَابه الإبتلاء بإعتقاده فَإِن الْعقل مبتلى بإعتقاد حَقِيقَة الْمُتَشَابه كإبتلاء الْبدن بأَدَاء الْعِبَادَة
وَقيل هُوَ لإِظْهَار عجز الْعباد كالحكيم إِذا صنف كتاب أجمل فِيهِ أَحْيَانًا ليَكُون مَوضِع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتَّخذ عَلامَة يمتاز بهَا من يطلعه على سره وَلِأَنَّهُ لَو لم يبتل الْعقل الَّذِي هُوَ أشرف مَا فِي الْإِنْسَان لاستمر فِي أبهة الْعلم على التمرد فبذلك يسْتَأْنس إِلَى التذلل بعز الْعُبُودِيَّة والمتشابه هُوَ مَوضِع خضوع الْعُقُول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها
وَقَالَ الْفَخر من الملحدة من طعن فِي الْقُرْآن لأجل اشتماله على المتشابهات وَقَالَ إِنَّكُم تَقولُونَ إِن تكاليف الْخلق مرتبطة
1 / 50
بِهَذَا الْقُرْآن إِلَى قيام السَّاعَة ثمَّ إِنَّه يتَمَسَّك بِهِ كل ذِي مَذْهَب على مذْهبه فالجبري يتَمَسَّك بآيَات الْجَبْر كَقَوْلِه ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ الْآيَة الْأَنْعَام ٢٥ الْإِسْرَاء ٤٦
والقدري يَقُول هَذَا مَذْهَب الْكفَّار لقَوْله ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ وَفِي آذاننا وقر﴾ فصلت ٥ وَقَوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف﴾ الْبَقَرَة ٨٨
ومنكر الرُّؤْيَة يتَمَسَّك بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ الْأَنْعَام ١٠٢
ومثبت الْجِهَة بآيَات الْجِهَة وَغير ذَلِك ويسمي كل وَاحِد الْآيَات الْمُوَافقَة لمذهبه محكمَة والمخالفة لَهُ متشابهة فَكيف يَلِيق بالحكيم أَن يَجْعَل الْكتاب الَّذِي هُوَ الْمرجع فِي الدّين هَكَذَا
قَالَ وَالْجَوَاب أَن الْعلمَاء ذكرُوا لذَلِك فَوَائِد كمزيد الْمَشَقَّة لزِيَادَة الثَّوَاب وليجتهد فِي التَّأَمُّل فِيهِ صَاحب كل مَذْهَب يَعْنِي فَإِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فِي الْفُرُوع فَلهُ أجر وَفِي الْأُصُول خلاف إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد
وَاخْتلفُوا هَل الْمُتَشَابه مِمَّا يعلم على قَوْلَيْنِ منشؤهما الْوَقْف على الله أَو الْعلم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم﴾ آل عمرَان ٧
1 / 51
قَالَ الإِمَام الْخطابِيّ مَذْهَب أَكثر الْعلمَاء أَن الْوَقْف التَّام فِي هَذِه الْآيَة على الله وَأَن مَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ اسْتِئْنَاف رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة
وَمَال إِلَى هَذَا الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي الإتقان وَحَكَاهُ عَن الْأَكْثَرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم وَمن بعدهمْ خُصُوصا أهل السّنة قَالَ وَهُوَ أصح الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ وَيدل لصِحَّة مَذْهَب الْأَكْثَرين مَا أخرجه عبد الرزاق فِي تَفْسِيره وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ وَمَا يعلم تأوليه إِلَّا الله وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ فَهَذَا يدل على أَن الْوَاو للإستئناف لِأَن هَذِه الرِّوَايَة وَإِن لم تثبت بهَا الْقِرَاءَة فَأَقل درجاتها أَن تكون خَبرا بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى ترجمان الْقُرْآن فَيقدم كَلَامه فِي ذَلِك على من دونه
وَعَن الْفراء أَن فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب أَيْضا وَيَقُول
1 / 52
الراسخون
وَعَن الْأَعْمَش قَالَ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَإِن تَأْوِيله إِلَّا عِنْد الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ
وَذهب قوم إِلَى أَن الْوَاو فِي قَوْله والراسخون للْعَطْف لَا للإستئناف مِنْهُم مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَمُحَمّد بن جَعْفَر ويروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ ابْن عَبَّاس أَنا مِمَّن يعلم تَأْوِيله
وَرجح هَذَا جماعات من الْمُحَقِّقين كَابْن فورك وَالْغَزالِيّ وَالْقَاضِي أبي بكر بن الطّيب وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّه الْأَصَح وَابْن الْحَاجِب إِنَّه الْمُخْتَار محتجين أَن الله تَعَالَى لَا يُخَاطب الْعَرَب بِمَا لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته لأحد من الْخلق وَأَيْضًا فالإيمان بِهِ وَاجِب على عُمُوم الْمُؤمنِينَ فَلَا يبْقى لوصفهم بالرسوخ فِي الْعلم وَأَنَّهُمْ أولُوا الْأَلْبَاب فَائِدَة تميزهم عَن عُمُوم الْمُؤمنِينَ
وَقَالَ أهل التَّحْقِيق وَالتَّحْقِيق أَن الْمُتَشَابه يتنوع
فَمِنْهُ مَا لَا يعلم بِيَقِين أَلْبَتَّة كالحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وَالروح والساعة مِمَّا اسْتَأْثر الله بغيبه وَهَذَا لَا يتعاطى علمه أحد لَا ابْن عَبَّاس وَلَا غَيره
وَمن قَالَ من الْعلمَاء الحذاق إِن الراسخين لَا يعلمُونَ
1 / 53
الْمُتَشَابه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع
وَأما مَا يُمكن حمله فِي وُجُوه اللُّغَة فيتأول وَيعلم تَأْوِيله الْمُسْتَقيم ويزال مَا فِيهِ من تَأْوِيل غير مُسْتَقِيم
وَقَالَ الْخطابِيّ الْمُتَشَابه على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا مَا إِذا رد إِلَى الْمُحكم وَاعْتبر بِهِ عرف مَعْنَاهُ
وَالْآخر مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف على حَقِيقَته وَهُوَ الَّذِي يتبعهُ أهل الزيغ فيطلبون تَأْوِيله وَلَا يبلغون كنهه فيرتابون فِيهِ فيفتنون
وَقَالَ الإِمَام الرَّاغِب جَمِيع الْمُتَشَابه على ثَلَاثَة أضْرب
ضرب لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهِ كوقت السَّاعَة وَخُرُوج الدَّابَّة وَنَحْو ذَلِك
وَضرب للْإنْسَان سَبِيل إِلَى مَعْرفَته كالألفاظ الْعَرَبيَّة وَالْأَحْكَام الغلقة
وَضرب مُتَرَدّد بَين الْأَمريْنِ يخْتَص بمعرفته بعض الراسخين فِي الْعلم وَيخْفى على من دونهم وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله ﷺ لِابْنِ عَبَّاس اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل
1 / 54