فلم تمهلني أن أتم أسماء جاراتنا اللاتي تعرفهن، وجعلت تربت على كتفي، وتقول: «وأنت العاقل يا عباس تقول هذا؟! ... إن أمك لا تبغضك ولا تدعو عليك، ولكنها تصرف النظرة ...»
وفهمت معنى «تصرف النظرة» بعد شرح قليل، وخلاصتها: أن رؤية الأم في مساء العيد بين أطفالها الفرحين المتهللين بالعيد تفتح أعين الحاسدات اللاتي حرمن الأطفال، ولا يحتفلن «بتغييرات» العيد هذا الاحتفال، فإذا شهدن أمارات السخط بدلا من الفرح والرضا بطل الحسد، وسلم الصغار وأمهاتهم من عيون الحاسدات. •••
لأول مرة أشعر بأن الطفل في البيت «قنية نفيسة» يحسد عليها الأمهات والآباء، وما كنت أفهم قبل ذلك إلا أنه من «غلب الحياة أو هموم المعيشة»، وأنه هو - في شعوره بنفسه - شيء صغير يتطلع إلى اليوم الذي يساوي فيه هؤلاء الكبار، ويحسب في زمرة الناس المعدودين! ...
وكان ذلك «درسا» في تفسير القرآن، وتفسير الكتب المدرسية ...
فقد كنت أذهب مع أبي إلى المسجد القريب يوم الجمعة، فأسمع الفقيه يقرأ في سورة الكهف:
المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، فلا أدري كيف تكون زينة، ونحن نتطلع إلى أيسر سلعة من سلع الزينة الغالية؟
وكان من قطع المحفوظات التي كتبناها في المدرسة قصة نسميها «قصة المرأة البائخة»، هذه خلاصتها:
امرأة زارت إحدى صديقاتها، فراحت صاحبة الدار تفاخرها بجواهرها وتفرجها عليها، ثم ذهبت صاحبة الدار ترد الزيارة لصاحبتها، وتسألها: أين جواهرك لأتفرج عليها؟ واستمهلتها هذه ساعة إلى أن حضر ولداها من المدرسة، فاستدعتهما إلى حجرة الاستقبال، وقالت للضيفة المدلهة بجواهرها: ها هما جوهرتاي ... وليس لهما ثمن تحتويه خزائن الأموال.
وكان جوابا مخيبا للآمال، ومسقطا للقصة كلها في موازين النقد عندنا نحن الأطفال، أو نحن الجواهر التي لا تقدر بالمال!
ونخرج من ذكريات الطفولة إلى تجارب الحياة، فنعلم الآن - فلسفيا واجتماعيا ونفسيا - أن الطفولة هي قوام العيد كله، فلولا الأطفال لما استطاع المجتمع أن يوقت الفرح مقدما بميقات معلوم في يوم من الأيام، ولكن هات للمجتمع أطفالا يفرحون بالكساء الجديد واللعب المباح، وأنت الكفيل بفرح المجتمع كله على الرغم منه ... إذا صح الفرح بالإرغام وهو صحيح في شريعة «الديكتاتوريين» الصغار، فليس في استطاعة كبير أن يعصي سلطان الفرح وهو ينظر إلى صغار فرحين.
Unknown page