صاحب كتاب الحاسة السادسة
1
الذي يدل اسمه على رأي صاحبه في تعليل هذه القدرة على الكشف والتلقي والإيحاء وما شابهها من الصلات النفسية عن طريق غير طريق الحواس المعروفة.
فهو يقرر أن الأجسام المادية يمكن أن تحس من بعيد لأنها لا تني تبعث حولها ذبذبات متلاحقة تسري إلى مسافات بعيدة، وقد تخترق الحوائل كما تفعل الأشعة السينية، ويعلل غرائز الأحياء التي تهتدي إلى أمثالها أو إلى الأماكن المحجوبة عنها على المسافات الطويلة بحاسة تتلقى هذه الذبذبات وتتبعها إلى مصادرها. أما الإنسان وسائر الحيوانات الفقارية فهي تعتمد على الجسم الصنوبري في الدماغ للشعور بالأشياء التي لا تنتقل إليها بحاسة النظر أو الشم أو السمع أو الملامسة، ويستبعد الأستاذ سينل أن يخلق هذا الجسم الصنوبري عطلا بغير عمل في جميع الأحياء الفقارية؛ لأن ملاحظاته الدقيقة عن موضع هذا الجسم في الدماغ واختلاف حجمه بين الأحياء قد دلته على تفسير عمله حسب اختلاف موضعه وحجمه، فهو في الأنثى أكبر منه في الذكر، وفي الهمجي أكبر منه في المتحضر، وفي الطفل أكبر منه في الرجل، وفي الحيوان أكبر منه في الإنسان، وهو قريب إلى فتحات الرأس في بعض الأحياء التي تعول على التحسس البعيد ولا تستغني عنه بالقياس العقلي أو بالوسائل الصناعية كما يفعل الإنسان، وكلما انصرف الحي عن استخدام هذا الجسم الصنوبري ضمر واقترن ضموره بضعف الشعور بالذبذبات والرسائل المتنقلة من المسافات القصيرة.
قال الأستاذ سينل: «أما الكشف كما أعرفه أنا - وكما ينبغي أن يعرف - فهو إدراك الأشعة المغنطيسية أو قل الموجات المغنطيسية المنبعثة من الأجسام المحيطة بنا والتي من شأنها أن تخترق كل جسم يعترضها بدون حاجة إلى الاستعانة بأي عنصر من أعضاء الحس المعروفة، والكاشف في رأيي هو كل من يستطيع أن يضبط جانبا من مخه ويعده لكي يستقبل الإشعاع الصادر عن الحاجز، يعني من شيء ما بعد استبعاده كل أشعة أخرى، شأنه في ذلك شأن الجهاز اللاسلكي الذي يضبط لكي يستقبل موجة منبعثة من محطة ما مع استبعاد كل موجة أخرى سواها.»
وفي حسبان الأستاذ سينل أن تلقي الأحاسيس على البعد ضرورة حيوية في الأحياء الدنيا، فهي من أجل هذا أقدر على استخدام هذه الحاسة، ومما نقله عن العالم الطبيعي الفرنسي الكبير جان هنري فابر
Fabre «أنه وجد ذات يوم يرقة نوع كبير من الحشرات فحملها إلى منزله ووضعها داخل صندوق في غرفة مكتبه، وبينما هو جالس في غرفة الطعام ذات ليلة إذ دخل عليه خادمه فزعا وأخبره أن غرفة مكتبه امتلأت بفوج كبير من الذباب الضخم، فلما ذهب ليرى ما حدث وجد أن يرقته - وكانت أنثى - قد خرجت من هذا الطور، وأن عددا كبيرا من ذكورها يحوم حول الصندوق، ولما كانت كلها من نوع غير مألوف في هذه المنطقة فقد حكم بأنها لا بد جاءت من مكان سحيق، فأغلق النافذة وأمسك بها جميعا وعددها خمسة عشر ذكرا. وأراد أن يعرف هل استعانت هذه الذكور في حضورها بحاسة الشم أو لم تستعن بها، فنزع منها ملامسها، وهي الأعضاء التي تحمل هذه الحاسة، ثم وضع الذكور في كيس، ووضع الكيس في قمطر، وفي صباح اليوم التالي نقلها إلى غابة تبعد نحو الميلين، وأطلق سراح الذكران جميعا، ولكنها لم تلبث بعد الغسق أن شوهدت كلها متجمهرة في حجرة مكتبه لم يتخلف واحد منها، عندئذ أيقن أن حاسة الشم لم تكن النبراس الذي اهتدت به الذكور إلى مكان الأنثى.»
2
فالأستاذ سينل كما نرى لا يتأثر في إثباته لقدرة الكشف والشعور على البعد بإيمانه بوجود الروح أو العقل المجرد، ولا يعتمد في تجربة من تجاربه الكثيرة على تعليل غير التعليل الجسدي والمباحث الطبيعية، وقد سبقه إلى التنويه بشأن الجسم الصنوبري فيلسوف كبير من المؤمنين بالقوة الروحية والقائلين بالتفرقة بينها وبين الكائنات المادية، وهو رينيه ديكارت الذي يلقب بأبي الفلسفة الحديثة، فإنه اعتقد أن الجسم الصنوبري هو الجهاز «الموصل» بين الروح والجسد، أو هو موضع التلاقي بين حركة الفكر وحركة الأعضاء.
أما الذين اعتقدوا أن الجسم الصنوبري غدة منظمة للوظائف الجنسية أو أطوار النمو الأخرى فالأستاذ سينل يرد عليهم قائلا: «إذا كان هذا الجسم غدة وظيفتها تنظيم التطور أو الأمور الجنسية كما يقولون فكيف صح أن يكون مقره وسط المخ بين المراكز التي تستقبل المرئيات؟ ولماذا هو محمول على ساق؟ ولماذا كان في الفقاريات الدنيا فتحة تشبه النافذة في الجمجمة فتسمح لهذه الحيوانات بالاتصال بما حولها قدر المستطاع؟»
Unknown page