Al-Kifāya fī al-tafsīr biʾl-maʾthūr waʾl-dirāya
الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
Publisher
دار القلم
Edition Number
الأولى
Publication Year
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
Publisher Location
بيروت - لبنان
Genres
فقالوا: أنه تعالى علمه أسماء كل شيء، ذواتها وصفاتها وأفعالها، أسماء الملائكة وأسماء النبيين وأسماء ذرية آدم وأسماء البحار والأشجار والأحجار والأواني، واختار هذا القول ابن كثير ﵀، لعموم قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ (١)، ولحديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه " .. فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، وعلمك أسماء كل شيء" (٢) (٣).
قال ابن عطية: " وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها" (٤).
قلت: إن القول الثاني هو الأشبه بالصواب، وذلك لما روي عن "ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها، وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس: "وعلم آدم الأسماء كلها" (٥).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، أي: عرض المسميات" (٦) على الملائكة.
قال السعدي: "امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟ " (٧).
قال النسفي: "وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت" (٨).
قال أبو حيان: " ﴿ثم﴾: حرف تراخ، ومهلة علم آدم ثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، ليتقرر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم ثم أخبره عما تحقق به واستيقنه، وأما الملائكة فقال لهم على وجه التعقيب دون مهلة ﴿أَنْبِئُونِي﴾، فلما لم يتقدم لهم تعريف لم يخبروا، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ونطق إظهارا لعنايته السابقة به سبحانه" (٩).
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٣.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٤٧٦)، وصحيح مسلم برقم (١٩٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣١٢).
(٣) قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا مسلم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ، وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس، عن النبي ﷺ قال -: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذكر ذنبه فيستحي؛ ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكُم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكم؛ فيقول: ائتوا موسى عَبْدًا كَلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُمْ، ويذكر قَتْلَ النفس بغير نفس، فيستحي من ربه؛ فيقول: ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمةَ الله وروحه، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيُؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمُنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، وإذا رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن ووجب عليه الخلود".
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، عن قتادة، به. وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عَرُوبَة، عن قتادة". [صحيح البخاري برقم (٤٤٧٦)، وصحيح مسلم برقم (١٩٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣١٢)].
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٢٠.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٢٨٢.
(٦) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.
(٧) تفسير السعدي: ١/ ٤٨.
(٨) تفسير النسفي: ١/ ٥٨.
(٩) البحر المحيط: ١/ ١٢١.
2 / 172