Al-juzʾ al-awwal
الجزء الأول
والغدر ليس لهارون بمبتك الغوي هو هارون الملقب بالرشيد، الذي نكث الأمان ليحيى بن عبدالله عليه السلام وهو المراد بقوله: ويحيى البر، والقصة مشهورة، ونذكر طرفا منها، فنقول في يحيى عليه السلام: أما أبوه فهو عبدالله الكامل، وأما أمه فهي قرشية من ذرية زمعة بن الأسود، وأبوها ابن أخت هند [والدة](1) النفس الزكية، كان عليه السلام من عيون الأئمة وفضلاء هذه الأمة، قد روى [في](2) الحديث عن أهله وعن غيرهم، وأكثر روايته عن جعفر الصادق، وأوصى جعفر بن محمد الصادق إليه لما حضرته الوفاة وإلى موسى وإلى أم ولد له، فكان أمر تركاته والأصاغر من ولده جاريا على أيديهما، رواه أبو الفرج، وكان يحيى عليه السلام حضر القتال مع الحسين الفخي، وقاتل قتالا عظيما، وأصيب بنشاب كثير، حتى صار كالقنفذ فلماانقضت الوقعة أقام مستترا مدة طويلة يطوف في الآفاق خوفا على نفسه، ووصل صنعاء وأقام بها شهورا، وأخذ عنه علماء صنعاء علما كثيرا، ثم دخل بلاد الحبشة، ثم دخل بلاد الترك فتلقاه ملكها بالإكرام، وقدم له التحف العظيمة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم على يديه سرا؛ لأن يحيى قال له: إن الله لا يقبل منك هذا إلا بالإسلام، قال: إن أسلمت ظاهرا قتلني الترك واستبدلوا بي فأسلم سرا، وبث يحيى دعاته في الآفاق، فجاءت كتبهم ببيعة مائة ألف فيهم العلماء والفقهاء، فقال يحيى: لابد من الخروج إلى دار الإسلام، فنهاه ملك الترك عن ذلك، وقال: إنهم يخدعونك، فأبى فخرج إلى بلاد الديلم، وقال: إن للديلم معنا خرجة وأرجو أن تكون معي، وإنما كانت مع الناصر عليه السلام وكان في الذين بايعوه من علماء وقته المشهورين: ابن عبد ربه صاحب(العقد) وابن علقمة، والشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيدالله بن عبدالمطلب بن عبد مناف، وجرى على الشافعي- رحمه الله- في ذلك نكتة، وهي أن الرشيد لما بلغه أنه يدعو ليحيى بن عبيدالله عليه السلام أنفذ إليه من أتى به مقيدا مكشوف الرأس على حمار فأدخل بغداد على تلك الحال، وممن بايعه(1) ابن فورك اللهبي، وابن سهل، وبشر بن المعتمر، والفقيهان محمد بن عامر، ومكحول بن إبراهيم، والحسين بن الحسين، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، ويونس البجلي، وغير هؤلاء كثير من فقهاء المدائن وعلماء الأمصار، ولما استجاب ليحيى عليه السلام من استجاب تغيرت أحوال هارون، وقطع الخمر، ولبس الصوف، وتحلى بالعبادة والصلاح، وعلم أنه لا يطيق أخذ يحيى قسرا فأعمل الحيلة في إخراجه من هناك، فوجه الفضل بن يحيى البرمكي في خمسين ألف مقاتل وألزمه التوصل إلى استخراج يحيى بما أمكن من الحيل، فاجتهد الفضل في ذلك إزالة(2) للتهمة عن نفسه؛ لأنه كان قد سعي به إلى هارون، وقيل له: إنه يعرف مكان يحيى، وأنه كتب له مسطورا يعرضه على أهل كل جهة أن لا يتعرضوا له بحال، فلما وصل الفضل إلى طالقان الري كاتب ملك الديلم، وعرض عليه الأموال الجليلة؛ ليخرج يحيى من بلاده فامتنع جستان من ذلك، فأنفذ الفضل إلى امراة جستان من الألطاف والجواهر والطيب والثياب حتى أرضاها، فأشارت على جستان فأطاعها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
Page 341