Al-juzʾ al-awwal
الجزء الأول
قال النقيب رحمه الله: وسكت الناس عن الإنكار لأنهم كانوا فرقا، فمنهم من هو مبغض شانئ لعلي عليه السلام، فالذي تم من صرف الأمر عنه، قرة عينه، وبرد فؤاده، ومنهم ذو الدين وصحة اليقين، إلا أنه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه ظن أنهم إنما فعلوا ذلك لنص سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسخ ما كان قد سمعه من النص على أمير المؤمنين عليه السلام لا سيما مع ما رواه أبو بكر من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((الأئمة من (قريش))) فإن كثير من الناس توهموا أنه ناسخ للنص الخاص وأنه معنى الخبر أنتم مباحون في نصب إمام من قريش من أي بطون (قريش) كان، فإنه يكون إماما، وأكد أيضا ما في نفوسهم من رفض النص الخاص ما سمعوه من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) وقوله: ((سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على خطأ فأعطانيها)) فأحسنوا الظن بمعاقدي البيعة وقالوا: هؤلاء أعرف بإعراض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كل أحد فأمسكوا وكفوا، ومنهم فرقة أخرى وهم (الأكثرون) أعراب، وجفاة، وطغام، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، فهؤلاء يقلدون ولا يسألون، ولا ينكرون ولا يبحثون، وهم مع أمرائهم وولاتهم، لو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها، فلذلك أمحق النص وخفي ودرس، وقويت كلمة العاقدين(1) لبيعة أبي بكر، وقواها زيادة على ذلك اشتغال على عليه السلام وبني هاشم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإغلاق بابهم عليهم، وتخليتهم الناس يعملون ما شأوا، وأحبوا من غير مشاركة لهم فيما هم فيه، وأرادوا استدراك ذلك بعدما فات، وهيهات الفائت(2) على رجعه له!!، وأراد علي عليه السلام بعد ذلك نقض البيعة فلم يتم له ذلك، وكانت العرب لا ترى الغدر، ولا تنقض البيعة صوابا كانت أو خطأ، وقد قالت له الأنصار وغيرها: أيها الرجل لو دعوتنا إلى نفسك قبل البيعة لما عدلنا بك أحدا ولكنا قد بايعنا، فكيف السبيل إلى نقض البيعة بعد وقوعها؟.
قال النقيب رحمه الله: ومما جرا عمر على بيعة أبي بكر والعدول عن علي عليه السلام مع ما كان يسمعه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أمره أنه أنكر [بمرارا] (1) على الرسول -صلى الله عليه- أمورا اعتمدها فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنكاره، بل رجع في كثيرمنها إليه نحو إنكاره عليه -صلى الله عليه- الصلاة على عبد الله بن أبي .... وغير ذلك من أمور كثيرة تشتمل عليها كتب الحديث، ولولم يكن إلاإنكاره قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه ((ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم ما لا تظلون بعده)) وقوله ما قال وسكوت رسول الله -صلى الله عليه- عنه، وأعجب الأشياء أنه قال ذلك اليوم: حسبنا كتاب الله، فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار فبعضهم يقول: القول ما قال رسول الله، وبعضهم يقول: القول ما قال عمر، فقال رسول الله -صلى الله عليه- وقد كثر اللغط، وعلت الأصوات، ((قوموا عني فما ينبغي [لنبي] أن يكون عنده هذا التنازع))، فهل يبقى للنبوة مزية أو فضل إذا كان الإختلاف قد وقع بين القولين، ومثل المسلمون وبينهما فرجح قوم هذا، وقوم هذا، أفليس(2) ذلك دالا على أن القوم سووا بينه وبين عمر، وجعلوا القولين مسألة خلاف ذهب كل فريق منهم إلى نصرة واحد منهما، كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام، فينصر قوم هذا، وينصر ذاك آخرون، فمن بلغت قوته وهمته إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر لمصلة يراها ويعدل عن النص، ومن الذي كان ينكر عليه ذلك وهو في القول الذي قاله للرسول عليه السلام في وجهه غير خائف من الإنكار، ولا أنكر عليه أحد لا رسول الله ولا غيره، وهو أشد من مخالفة النص في الخلافة وافظع واشنع.
Page 400