Al-Juzʾ al-awwal
الجزء الأول
وذكر في نبذة من سيرة المختار وأخيه أنه لما توفي الناصر -عليه السلام- وبلغ حسان بن عثمان (الحوالي)(1) ذلك فنهض من نجران طريق بلد شاكر وخرج جميع من كان بصعدة من العلويين فصاروا مفترقين في بطون خولان فأكرموهم ودخل حسان بن عثمان صعدة يوم الخميس لأربع ليال فيه من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وأمن أهلها ولم يتعرض لأحد من العلويين ولا لحريمهم، وخرج العلويون إلى الأمير (أسعد)(2) بن أبي يعفر واستنصروه فكتب لهم إلى بطون خولان وهمدان يأمرهم بالقيام معهم، وبلغ حسان الخبر فخرج من صعدة يوم الخميس لتسع ليال مضت من شهر رمضان من هذه السنة فصار إلى برط فصحبه جماعة من خولان وأخذ جماعة من الأكبليين والحمزيين والجيبيين والأبقور والبقرا نحو سبعين رجلا فحبسهم ووصل العلويون إلى صعدة يوم الخميس للنصف من شهر رمضان ووقع بينهم وبين اليرسميين والعشبيين حرب يوم الجمعة ثاني قدومهم وقام معهم جميع خولان سوى هذين الحيين ووقعت الدائرة على أصحاب حسان وثبت العلويون في البلد ثم صار حسان إلى نجران فأقام مع بني الحارث ثم قام من العلويين الحسن بن أحمد بن يحيى فبايعه الناس وبايعوا أخاه القاسم بن أحمد يوم الاثنين لتسع باقية من ذي الحجة آخر شهور هذه السنة، وخرج القاسم بن أحمد إلى بلد همدان فأجابه الناس وصاروا معه إلى كانط وكان مظفر بن عليان بن الدغام مقيما بريدة مناصر (الحساني عثمان)(3) فوجد من يحارب القاسم في كانط فوقع الحرب وانهزم أصحاب مظفر بن عليان إلى ريدة فلما وصلوا به خرج من غير حرب بمن معه وخلى البلد فصار إلى عرق في المحرم مدخل سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وصار القاسم بن أحمد إلى ريدة فأقام بها وأجابه أهل البلد، وخرج حسان بن عثمان في بني الحارث ونهد وزبيد يريد صعدة طريق بلد شاكر فلما صار بموضع يقال له: خلف أصرح من بها من وائلة إلى صعدة فخرج معه جماعة من خولان وغيرهم فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم حسان بن عثمان وأصحابه وقتل منهم جماعة كثيرة وعاد إلى نجران فأقام في الهجر والحرب بينه وبين همدان بنجران، ثم خرج حسان فعاد إلى برط وكاتب الحارثيون الحسن بن أحمد وأعطوه الطاعة واصطلحوا هم وهمدان وولى عليهم واليا، ووقع بين القاسم بن أحمد وبين أحمد بن محمد الضحاك اختلاف ومباعدة حتى خرج القاسم في جربه ولم تعنه العشيرة وكسرت عليه وانهزمت عنه فعاد إلى ريدة وكاتب ابن الضحاك العشيرة وعاملهم سرا فعرف القاسم ما يراد به فخرج من ريدة ليلة السبت لثمانية أيام باقية من صفر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وكان أخوه الحسن عامل عليه ابن الضحاك وأمده بالمال فصار إلى قرقر وصار ابن الضحاك إلى ريدة وكاتب مظفر بن عليان وأمده بالمال هو والحسن بن أحمد على أخيه فنهض مظفر من عرق وقد عامل الصابيين، وكان القاسم قد وثق بهم فمكروا به ولم يعينوه وصار الضحاك إلى قرقر في لقاء مظفر فخرج القاسم بن أحمد منها أقبح مخرج في الليل لثلاث باقية من شهر ربيع الآخر من هذه السنة فصار إلى بلد بني ربيعة ولم يتم ابن الضحاك لمظفر بن عليان ما شرط له كاتب القاسم بن أحمد وعامله على أن يجعل له سهما في بلده وحلف له وانصرف إلى عرق للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة، وصار القاسم بن أحمد إلى ورود في هذا الشهر ووقع بين القاسم بن أحمد وبين الضحاك حرب بناحية مشرق همدان بالقرب من أكانط في موضع يقال له قطوان وعسكر القاسم بن أحمد أهل أكانط فوقعت الهزيمة على أصحابه وقتل منهم نفر كثير وعاد إلى ورود في شهر ربيع الأول من سنة ست وعشرين وثلاثمائة وجرى بينه وبين مظفر بن عليان مكاتبة حتى التقيا فأشار عليه مظفر بالمصير إلى صعدة وذلك أن كثير من الخولانيين استدعوه فصار إلى صعدة في جماعة من بكيل فرسان ورجال حتى صار بأنشل من بلد خولان، وجرى بينه وبين أخيه الحسن مراسلة وكره الحسن مصير أخيه إلى البلد ولم تساعده خولان وأدخلوا القاسم البلد فصار إلى الغيل وهو موضع منازلهم وبها بنو حمزة، ولقيته بنو سعد كلها ويرسم، وأتاه من بني الربيعة جماعة وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشدة على السفهاء مال إليه كثير من الناس وسعى الساعي بينه وبين أخيه الحسن حتى اصطلحا وحلف كل واحد منهما لصاحبه على أن أيديهما على الحق واحدة فمن خالف منهما صاحبه كانت أيدي الجماعة عليه، وذلك في شهر ربيع الأول من هذه السنة فأقاما على ذلك أياما ثم نهض القاسم يريد المسير إلى صعدة ولم يكن أحد لقيه من الأكبليين ولا ممن يحمل السلاح من أهل صنعاء سوى نفر منهم فلقيته يرسم جميعا وسار في بني سعد كلها، فلما علم الأكبلي والصنعاني وأنهم لا طاقة لهم به التقوا به وساروا بين يديه حتى دخل القرية وقد عامل الحسن نفر من سفهاء الصنعانيين والأكبليين على إثارة الفتنة عند مسير أخيه إلى القرية ففعلوا ذلك ووثبوا على رجل من أصحاب القاسم بن أحمد فقتلوه وهاجت الحرب بينه وبين الأكبليين والصنعانيين فاقتتل الناس من صلاة الظهر إلى أول الليل وقتل بينهم ثمانية فقبض القاسم أيدي أصحابه عن أموال الناس وأسواقهم ووقعت الدائرة على القوم، وثبت القاسم مكانه على فرسه ليلته إلى الصباح حتى أتاه القوم مستأمنين فأمنهم وصفح عنهم، وسكنت الفتنة وعلم الناس أن الحسن قد نكث ناحية ومال أهل البلد جميعا إلى القاسم وسكن البلد وشد على السفيه وسار في الناس أحسن سيرة، ولما علم الحسن بما قد ظهر للعشيرة من غدره بأخيه خاف على نفسه فخرج حتى سار إلى بطن من سعد ثم خرج هاربا حتى صار إلى خيوان فنزل بها، وجرت بينه وبين ابن الضحاك مراسلة ومكاتبة وعامل حسان بن عثمان على بعض البلد واستمد الحسن من الملوك على أخيه فلم يمده أحد منهم بشيء يتقوى به على حرب أخيه فرجا أنه يتقوى بنهوض حسان بن عثمان معه، ودخل في ذلك بن الضحاك وقام فيه وانعدوا للمسير إلى صعدة مستهل رجب فأصابت حسان بن عثمان علة آخر يوم الخميس سلخ شهر جمادى الآخرة من هذه السنة وذلك اليوم كان وعدهم بالنهوض في حراب صعدة فكان حكم الله أغلب حتى إذا كان يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من رمضان من هذه السنة وصل عباد الأكبلي في بني بحر وبني كليب وبني جماعة، وكان الضحاك يكاتبه هو والحسن بن أحمد على نهب صعدة فأعانه من كان بصعدة من أهل بيته ومواليهم ومن مال إليهم من السفهاء فدخل شق الأكبليين وختر القوم بعهودهم وباينوا القاسم بن أحمد بالحرب واقتتلوا يوم الجمعة والسبت ويوم الأحد واضعهم الحرب فاختدعوا ومن كان معه أرسلوا أنهم يدفعون إليه عشرين جيشا وينصرف القاسم عن البلد وأرسلوا إلى العشائر يسألونهم العون لهم وكف الفتنة بينهم فأجابهم إلى ذلك ومكروا به حتى افترق من كان معه ثم صابحوه بالحرب وقد افترق عسكره وانهزم عنهم إلى الغيل ووضع الأكبليون ومن كان معهم من الصنعانيين من جيرانهم الساكنين في شقهم فنهبوا أموالهم وسفكوا دمائهم وسبوا وفعلوا فيهم أعظم من فعل القرامطة ولم يقدروا على نكاية من حاربهم من سعد ويرسم، وهرب كثير من الناس إلى هذيين الحيين فأكرموهم ثم صرخ القاسم بن أحمد في بني سعد ومن أجابه من أهل نجران ووائلة ودهمة والهجر وبني سليمان فاجتمع إليه عساكر كثيفة، فلما كان يوم الاثنين لثماني ليال خلت من شوال صار إليهم فاحتربوا يوم الإثنين وقتل من الأكبليين جماعة وبات معسكر عليهم ثم أصبح يوم الثلاثاء وهم يحاربونه من خلف الجدارات فقاربهم واقتتلوا قتالا شديدا وخرجت خيلهم فقتل منهم جماعة ووقعت الدائرة عليهم، وقد كان الحسن بن أحمد ومن معه صار إليهم فنزل بينهم لا آمر له وصاح صائحهم بطلب الأمان فلم يجبهم القاسم إلى ذلك وأمسى قد أحاط بهم وعلموا أنه داخل عليهم فكسروا جانبا من القرية وهربوا منه ولم يعلم بمخرجهم إلا آخر الليل ليلة الأربعاء لعشر من شوال ودخلت القرية فوجد فيها من أموال الناس ما لا يوقف عليه وخربت منازلهم وساروا إلى علاف يلعن بعضهم بعضا، وخرج هيصم بن عباد الأكبلي إلى ابن الضحاك إلى ريدة ليستنصره على القاسم بن أحمد وعلى بني سعد فخرج معه يوم الأربعاء لثمانية أيام باقية من شوال ومنه مع عسكر من همدان حتى وصل بالحسن بن أحمد والأكبليين وأظهروا أنه قدم في صلح فوقع بينهم حرب قتل فيها تسعة عشر رجلا من الفريقين وأخل على القاسم بعض من كان معه وانهزم إلى العشبة من صعدة ودخل شق اليرسميين يوم الاثنين لخمس من ذي الحجة من هذه السنة فخرب فيه الأكبليون وانتهبوا، وصار الحسن بن أحمد إلى الغيل فأقاموا ثلاثة أيام ثم انصرفوا إلى علاف وتبعهم الحسن خوفا من أخيه، وانصرف ابن الضحاك ومن معه فلحق ببلده وصار إلى ريدة وعاد القاسم بن أحمد إلى صعدة فأقام بها بالغيل وقد افترق أهل صنعاء ونالهم ضر وتعب، ثم عاد ابن الضحاك إلى صعدة ومعه عسكر من همدان في حرب القاسم بن أحمد فخرج من ريدة يوم السبت للنصف من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثلاثمائة فوصل علاف والتقى الأكبليين وراسل بني سعد كلها وطلب منهم أن يصطلحوا ويولوا الحسن بن أحمد فكرهوا ذلك ودار بينهم القول حتى تهادنوا سنتين على أن عزلوا الحسن والقاسم عن الأمر، وصار ابن الضحاك إلى صعدة ولم تقع بينهم حرب وصار الحسن إلى منزله بالغيل وصار القاسم إلى بني حيي فنزل عندهم وأقام ابن الضحاك بصعدة ولم يرجع إليها أحد من التجاء بل تفرقوا في البلدان، ولما أقام بن الضحاك بصعدة وأمر بهدم الحصن الذي بناه أحمد بن يحيى الناصر -صلوات الله عليه- وأعطاه الأكبليون الطاعة وسألوه أن يحي البلد فأخذ ممن دخل شق أكيل بمكسر فتفرقوا عن البلد وأرسلت بنو سعد أنك قد أحدثت في البلد أحداثا فاجتمعوا إلى القاسم فنهض فيهم وفيمن أجابه من شاكر وأهل نجران وبلغ الأكبليين وابن الضحاك ذلك فخرجوا عن البلد وصاروا إلى علاف وخرج معهم الحسن وإخوته وصار القاسم إلى الغيل حتى إذا كان يوم الأربعاء لست عشرة ليلة خلت من رجب في هذه السنة خرجوا من علاف ومعهم ابن الضحاك وجمعوا عسكر وأتو الغيل وخرج إليهم القاسم فيمن معه ووقع بينهم الحرب فقتل الوجيه وأحمد ابنا عباد بن عبد الله الأكبلي ومعهما جماعة من أصحابهما وانهزموا عنه حتى صاروا إلى علاف فأسر من أصحاب ابن الضحاك جماعة فمن عليهم القاسم وأرسلهم وأقام ابن الضحاك مع الأكبليين بعلاف ينتظرون اجتماع عشائرهم، وكان علي بن محمد بن يحيى بن الحسين مائلا إليهم على ابن عمه فأصابته علة توفي منها يوم الأربعاء لست ليال باقية من رجب من هذه السنة.
واعتل قيس بن أحمد بن الضحاك بريدة وكان أبوه قد استخلفه بها، وتوفي يوم الأحد لأربع من شعبان من هذه السنة وقبر بها واتصل الخبر بأبيه فأنصرف من صعدة يوم السبت لعشر من هذا الشهر، وثبت القاسم بن أحمد بالغيل من صعدة، واعتل الحسن بن أحمد بعلاف، وتوفي يوم الخميس لإحدى عشر ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بعلاف حتى إذا كان في شهر ربيع الآخر استنهض الأكبليون ابن الضحاك فخرج معهم يوم السبت لثماني ليال خلت من هذا الشهر فوصل إلى علاف وكاتب بني سعد ثم نهض فحاربه اليرسميون وقتل منهم ودخل شق يرسم فحربه وأرخت سعد على القاسم فخرج عنهم وصار أخوه يحيى بن أحمد إلى الغيل ولزمه وانصرف ابن الضحاك فوصل ريدة يوم السبت ليومين باقيين من هذا الشهر، وعاد الأكبليون إلى علاف وأقام يحيى في الغيل ولم يعد إليه أحد من التجار، ومضى القا سم بن أحمد إلى غيل خلاخل فاستنصر بابن عمه السنحاني وبوادعة فخرج معه منهم ألف رجل وخمسمائة فارس ولقيته سعد كلها ودخل البلد وانصرف أخوه يحيى إلى علاف يوم الجمعة لأحد وعشرين يوما باقية من جمادى الآخرة من هذه السنة، انتهى.
ولنرجع إلى نسق أحوال بني العباس.
Page 68