Al-Juzʾ al-awwal
الجزء الأول
قالوا: ثم شاور الناصر خولان في نهوضه إلى الحجاز لأهله فجددوا بيعتهم له ولأخيه على نصرتهما وأولادهما ما بقوا على الأرض فقدم من الحجاز بعمه عبد الله وغيره من أهله وبايعه عظيم همدان ورئيسها أحمد بن محمد بن الضحاك الحاشدي، وكانت للناصر -عليه السلام- حروب كثيرة مع الباطنية فقد كانت شوكتهم قوية في عصره وسجعوا سجعا زعموا أنه قرآن نزل على رأسهم علي بن الفضل، وكان آخر الوقعات وأعظمها وقعت (نغاش) وكان قد اجتمع من الباطنية خلق كثير من المغارب وناحية تهامة وقائدهم يومئذ عبد الحميد بن محمد بن الحجاج صاحب مسور، وندب الناصر -عليه السلام- قواده وهم: إبراهيم بن المحسن العلوي، وأحمد بن محمد الضحاك، وعبد الله بن عمر وغيرهم من الرؤساء، وكان عدة جنود الحق ألف وسبعمائة والباطنية سبعة آلاف وكان أشد القتال يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر شعبان من سنة سبع وثلاثمائة عقيب وصول أوائل عسكر الناصر -عليه السلام- إلى الحيرة فتلازم القتال في موضع يعرف ببيت الورد من صلاة الظهر إلى غروب الشمس، وهربت الباطنية وقتل منهم عدة ووقف الجند الإمامي في الخيرة ليلة الاثنين فلما أصبحوا نهضوا إلى قصر الحمودي بالقرب من (نغاش)، وكانت القرامطة تشرب من مائه فدنا العسكر المنصور ومنعوهم من ذلك وباتوا على الماء ليلة الثلاثاء، فلما كان يوم الثلاثاء غرة شهر رمضان (نهض)(1) الجند الإمامي يحف به النصر ويحذوه الظفر إلى نغاش قاصدين لأعداء الله ولما استقبلوا الباطنية صاح شعيب بن محمد السبيعي الأرحبي فقال: يا معاشر همدان اسمعوا قولي وعوا كلامي والله لئن لم أر هذه المضارب حرقا في أيديكم في يومكم هذا ليحلن بكم البوار وليكونن القرامطة بمنزلة حمير عليها براذعها في في أيامكم ولتهتكن حرمتكم وليذهبن عزكم فقدموا فدتكم نفسي بالضرب، إلى آخر كلامه، ثم التقى الجمعان وكان قائد القرامطة عبد الحميد بن محمد بن الحجاج في القلب بأهل لاعة وما (بينها)(1) من بني شاور المغيل (سوى أهل حراضة)(2)، والشاهل، وأهل العضد، وأهل نضار، وبني عشب، وفي الميمنة محمد بن إسماعيل الجوبي، وعبد الله بن أبي الملاحف الصنعاني فكانا في حجور وعيان، وأهل حفاش وملحان، والضلع ومسور والأغذار، وفي الميسرة يوسف بن يعقوب الوردي (في النخبة) (3) وهم أصحاب ركاب القرمطي وأهل الثقة عنده وأهل حجة، وأهل أدران وعيان ومن يليهم فاقتتل الناس حتى زالت الشمس وطلع إبراهيم بن المحسن وكان زادا لأصحابه فاقتلعوا مضارب القرامطة، وولت القرامطة منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد حتى قتل منهم بشر كبير، وأفلت عبد الحميد والرماح في قفاه وتغنم الناس من السلاح وغيره ما يعظم ويجل.
قال مصنف سيرة الناصر وهو عبد الله بن عمر: وفتتت هذه الوقعة أعضاد الملحدين، قال: ولقد شاهدت الحروب وعاينتها فما رأيت يوما كيوم (نغاش).
قال: ولقد أقمت فرسي في موضع كثر فيه القتل فسمعت للدماء دويا كدوي الماء إذا هبط من جبل، وقد رأيت صبيا مقتولا وحدثني بعض أصحابنا أنه رأى صبيين مقتولين في موضع آخر.
قال: ولقد اجتهدنا أن نعرف عدد القتلى فما قدرنا على ذلك، قال: وفقد من دعاتهم وأهل الرئاسة فيهم ثمانية وأربعون داعيا، ووجد بعد ذلك قتلى كثيرة في شعاب (نغاش) بسلاحهم وثيابهم ما سلبوا.
قال: وما قتل من أصحابنا إلا رجل واحد أخطأ به بعض أصحابنا.
Page 57