1103

روي عن أبي ميمون أحمد بن محمد بن بهلول بن الصنعاني وهو من علماء صنعاء أنه قال: ما يعرف الناس كنه فضل أبي القاسم في هذا اليوم، وقال: ما أحيا الإسلام اليوم إلا أبو القاسم، وصاح صائح في العسكر قتل الهادي فعطف نفر من أصحابه عليه ووردوا إليه بالفرس وأركبوه فرسه، وسار الناس وسار أبو القاسم من وراء أبيه ورجال من أصحابه الفرسان يقاتلون في الميمنة والميسرة، ثم وقف الهادي إلى الحق، وصاح برجال يعرفهم فوقفوا معه، وعطف على القوم فطردهم وأمر الرجالة أن تتقدم، ثم سار قليلا، ثم وقف في وجوههم فلم يزل كذلك حتى أبعدتهم رجالته، ثم كثر على وجهه وعينيه الدم من الجراح فانحاز جانبا وأمر ابنه أبا القاسم فوقف بالخيل حتى غسل وجهه ورجع والناس ينفذون على حاميته، قد أصيب منهم جماعة حتى صاروا إلى حدين، ثم عطف أبو القاسم فوقف في فرسان من أصحابه على القوم فطردهم، وقتلوا منهم فارسين ، ووقف كل موضعه، واستشهد يومئذ من الطبريين والصنعانيين وغيرهم جماعة كثيرة-رحمة الله عليهم- ورجع الهادي إلى صنعاء فأقام بها وأرسل إلى أخيه عبدالله بن الحسين وللربيع بن الروية فصارا إليه إلى صنعاء، وكان الهادي قد أرسلهما في عسكر إلى موضع يقال له: صل فأقاما بها أياما مقاتلين لعسكر القوم الذين في غيمان، ثم عرضت للهادي إلى الحق علة بعد ذلك بأيام واشتدت عليه علته، حتى كان الناس يقولون: أنه قد مات، فلما كان بعد ذلك أمر الهادي بعسكر أن يخرج إلى معسكر القوم إلى ضلع، [فالتقوا] (2) واقتتلوا وقتل أصحاب الهادي منهم نفرا كثيرا، وأتوا برؤوسهم إلى صنعاء، ثم كان الهادي عليه السلام لا يزال يرسل أخاه عبدالله بن الحسين وابنه القاسم وغيرهما في عسكر من صنعاء إلى عسكر القوم يغزونهم ويرجعون إلى صنعاء، وأقام الهادي إلى الحق بعد ذلك أياما، وقدمت مادة من الجعفري على ابن أبي العشيرة بن الروية، فنهض بهم وبعسكره حتى دخل قلعة زياد وقت فيها، وهدمها، وكتب إلى الهادي يعلمه بذلك، ويسأله أن يبعث له أخاه الربيع بن الروية في عسكره الذين كانوا معه، ويزداد معه فرسان(1) من فرسان الجعفري الذين كانوا معه بصنعاء، فأمر [الهادي] (2) الربيع بن الروية بالمسير إلى أخيه بمن طلب منه، فلما وصل بأخيه ساروا بمن كان معهم من عسكر الهادي حتى نزلوا إلى جانب غيمان، وأمر الهادي إلى الحق أخاه وابنه فخرجا في عسكر يناظران أهل بيت بوس ليقطعوا المادة عن أهل غيمان فأقاموا يومين، فلما كان [في] (3) عشية الثلاثاء في جمادى الآخرة من سنة تسع وثمانين ومائتين سار القوم للحربن وقد كانوا كمنوا كمينا فاقتتلوا وانهزم الجعافرة، وقتل منهم جماعة، ثم عطف أبو محمد وأبو القاسم في جماعة الخيل فطردا القوم وقتلا فيهم، وجن عليهم الليل وحملوا من كان أصيب من أصحابهم الجعافرة فدفنوهم بالقرب من صنعاء فلما كان يوم الأربعاء خرج القوم من بيت بوس يريدون ابن الروية فوقعوا به فهزموه واتصل الخبر بالهادي إلى الحق في الليل (4)، وكان في ذلك الوقت مريضا شديد المرض، وقلت به النفقةللعساكر فطلب من أهل صنعاء العون والسلف فلم يعطوه درهما واحدا، وقد كان عسكره أقام حتى أضاق فوق القدر، فلما علم أنه لا مقام للعسكر إلا بنفقة شاور أصحابه في الأمر فلم يروا أوفق به من الخروج، ورأى ذلك هو رأيا لما كان به من العلة، وكان لا يقدر أن يثبت على الفرس طرفة عين من شدة العلة، فعزم على الخروج يوم الخميس فأمر أصحابه بالاجتماع إلى بابه، وأمر بحرمه وحشمه فأخروجوا وخرج في عمارية وحوله أصحابه فوقف على باب الدرب حتى نفذ العسكر والأثقال، ومما قاله لأهل صنعاء وقت خروجه: والله لتمنوني فواق ناقة، ولتباعن نسائكم بالدينار والدينارين والثلاثة،وليضربنكم الله بلباس الجوع والخوف، فقال بعض أهل صنعاء: هو يعدكم بسبي حرمكم وأن يفعل بكم كما فعل صاحب البصرة، فبلغه ذلك فأعاد القول لهم: ليس ماذكرت(1) لكم من بيع الحرم منا، ولا من بني ظريف، ولا من بني يعفر، ولتعرفن صدق قولي قريبا جزاء من الله على فعلكم وخذلانا منه على صنعكم{وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}[الشعراء:227].

وخرج الهادي عليه السلام يريد إلى صعدة حتى نزل ورور، ولقيه الدعام فسأله الهادي المعونة، وأن يخرج معه بعسكره وعشائره حتى يرجع فيقاتل القوم فلم يجبه دعام إلى ذلك وتعلل عليه بعلل، فسار الهادي حتى وصل صعدة في أيام باقية من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين، ثم انحدر إلى نجران، وخلف ابنه أبا القاسم بصعدة، وقد كان بنو الحارث بنجران أحدثوا أحداثا، وغيروا، فأتوا إلى الهادي مستأمنين فأمنهم، وصفح عنهم، ورجع إلى صعدة.

Page 97