Al-Uslūb
الأسلوب
Publisher
مكتبة النهضة المصرية
Edition
الثانية عشرة ٢٠٠٣
Genres
•Rhetorical Sciences
Regions
Egypt
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية عشرة:
أريد بهذه المقدمة أن أبين في إجمالي هذا المنهج الجديد لعلم البلاغة العربية، وهو منهج أجملته في كتاب "الأسلوب" منذ ظهرت طبعته الأولى في سنة ١٩٣٩ ودرسته في كليتي الآداب ودار العلوم بجامعة القاهرة.
ويقوم هذا المنهج على ملاحظة أن الدراسة النظرية للبلاغة العربية انتهت عند المتقدمين إلى علوم المعاني، والبيان، والبديع، يدرسون في الأول الجملة منفصلة أو متصلة، ويدرسون في الأخيرين الصورة بسيطة أو مركبة من تشبيه ومجاز وكناية وحسن تعليل، مع توابع أخرى في علم البديع، وهذه الدراسات على خطرها لا تستوعب أصول البلاغة كما يجب أن تكون، لتساير الأدب الإنشائي في أساليبه وفنونه.
لذلك أشرنا في هذا الكتاب إلى أن علم البلاغة العربية يجب أن يوضع وضعًا جديدًا يلائم ما انتهت إليه الحركة الأدبية في ناحيتيها العلمية والإنشائية.
ورأينا أن يدخل علم البلاغة في بابين أو كتابين:
الأول: باب الأسلوب أو كتابه ويتناول دراسة: الحروف، والكلمات، والجمل، والصور، والفقرات، والعبارات، على أن تدرس درسًا مفصلًا دقيقًا يعتمد على علم الصوت، والنفس، والموسيقى وما إليها مما يقَوِّم الأسلوب على أنه صورة فنية أدبية، وفي هذا الباب أو الكتاب تدخل موضوعات المعاني والبيان والبديع، لا على أنها علوم مستقلة، بل على أنها فصول في باب الأسلوب يتناول بحوثها كما يتناول غيرها.
1 / 3
الفهرس:
الباب الأول: مقدمات
صفحة
٩ الفصل الأول: في البلاغة بين العلوم الأدبية
اللغة الفصحة والعامية، العامية ليست لغة الأدب الرسمي، الأدب وعناصره، النقد الأدبي والبلاغة والقرق
بينهما، تاريخ الأدب ومقوماته، متن اللغة، وفقه اللغة، والصرف، والنحو، والعروض.
١٩ الفصل الثاني: في التعريف بالبلاغة
البلاغة كما عرفها المسلمون والفرنجة، علوم البلاغة العربية وقصورها، البلاغة وعلم النفس، القوى
النفسية والفنون الأدبية، معنى مطابقة لمقتضى الحال، الوحدة النفسية والوحدة الأدبية.
٢٦ الفصل الثالث: في علوم البلاغة
النحو ومهمته الأولية، المنطق، ووظيفته الأولية، البلاغة تعتمد عليها وتمتاز بالجمال الفني أو المطابقة.
٣٠ الفصل الرابع البلاغة بين العلم والفن
الفرق بين العلم والفن، البلاغة علما، البلاغة والفنون العلمية، البلاغة والفنون الجميلة.
٣٥ الفصل الخامس: موضوع علم البلاغة موضوع البلاغة متصل بغايتها، الأسلوب وعلوم البلاغة العربية،
الفنون الأدبية، نواحي القصور في دراستنا البلاغة، حاجتنا إلى علم بلاغي جديد.
1 / 5
الباب الثاني: التعريف بالأسلوب
٤٠ الفصل الأول: في حد الأسلوب
المعنى اللغوي، رأى ابن خلدون وتحليله، التعريف الاصطلاحي، تعريف عام: تحصل وتقسيم وتعريف.
٤٧ الفصل الثاني: تكوين الأسلوب
الطالب المبتدئ، وتكون أسلوبه. صلته بطلاب الفنون. الكاتب المنتهي وإنشاؤه الأسلوب، ما يلزم
الكاتب.
٥٠ الفصل الثالث: عناصر الأسلوب
الأسلوب العلمي وعنصراه، الأسلوب الأدبي شعرًا ونثرًا، عناصر الأسلوب الأدبي.
الباب الثالث: الأسلوب والموضوع
٥٦ الفصل الأول: الأسلوب العلمي والأدبي
تكوين الأسلوب العلمي، خواص الأسلوب الأدبي، الفرق بينهما، شواهد
٦٢ الفصل الثاني: في أسلوب الشعر
بين الشعر والنثر، خواص أسلوب الشعر: الوزن، والقافية، والكلمات، والصور، والتراكيب، والعبارات.
٧٣ الفصل الثالث: في اختلاف أساليب الشعر
أساس الاختلاف هو اختلاف الانفعالات وطبيعتها، اختلاف
1 / 6
أساليب الفن الواحد، شخصية الشاعر وتأثيرها في ذلك، مظاهر هذا الاختلاف، الانفعالات النفسية
والفنون الشعرية، أساليب الحماسة، والنسيب، والرثاء والمدح والهجاء والوصف.
٩٣ الفصل الرابع: في اختلاف أساليب النثر
النثر العلمي ومقوماته، أساليب المقالة، والتاريخ والسيرة، والمناظرة، والجدل، والتأليف، أساليب النثر
الأدبي: الوصف، والرواية، والمقامة، والرسالة، والخطابة.
الفصل الرابع: الأسلوب والأديب
١٢١ الفصل الأول: تمهيد
الأسلوب هو الموضوع، الأسلوب هو الكاتب، الشخصية والأسلوب، الشخصية الفردية والاجتماعية في
الأسلوب.
١٢٦ الفصل الثاني: الأسلوب والشخصية
التعريف بالشخصية، مظهرها في أساليب القدامى والمحدثين،
مقومات الشخصية، وآثارها الأسلوبية، الأصالة والتقليد.
١٣٧ الفصل الثالث: دلالة الأسلوب على الشخصية
في الشعر، في الخطابة، في الكتابة، في التأليف، شواهد تحليلية للقدامى والمعاصرين.
١٥٧ الفصل الرابع: أثر الشخصية في اختلاف الأساليب
نواحي هذه الدراسة: في العبارة، في مقدار الملاءمة بين اللفظ والمعنى في الصنعة البديعية، شواهد
تحليلية شعرًا ونثرًا.
1 / 7
الباب الخامس: صفات الأسلوب
١٨٥ الوضوح، القوة، الجمال
١٨٦ الفصل الأول: وضوح الأسلوب
معنى الوضوح ومصدره الأول، وضوح الفكرة، وضوح العبارة.
١٩٤ الفصل الثاني: قوة الأسلوب
معنى القوة ومصدرها الأساسي، قوة التصوير، قوة التركيب.
١٩٩ الفصل الثالث: جمال الأسلوب
معنى الجمال ومصدره الأصيل، الناحية السلبية، الناحية الإيجابية
٢٠٢ الفصل الرابع: تداخل الصفات وتعادلها
معنى ذلك، صفات الأسلوب وأنغام الموسيقى، الأسلوب المثالي من هذا الوجه، أمثله.
1 / 8
الباب الأول: مقدمات
الفصل الأول: البلاغة بين العلوم الأدبية
١- ليس من غرضنا في هذه الصفحات أن نعرض للقول في أصل اللغة العربية ونشأتها، وبيان الأطوار الأولية التي تعثرت فيها حتى استقامت، وصارت صالحة للتفاهم بين أفراد الأمة العربية، أو قبائلها المختلفة، تفاهمًا شفويا أو كتابيا.
كذلك ليس من شأننا هنا أن نبحث فيما طرأ على هذه اللغة الفصحى بعد الإسلام من العوامل التي شوهت فصاحتها، وآذت سلامتها في أكثر الألسنة حتى شاع فيها اللحن، وانحط الأسلوب، وأصبحنا بذلك نرى لغتين: أحدهما لغة فصيحة ممتازة يقصد إليها الخاصة حين يتناولون الشئون الهامة: خطابة أو حوارًا أو مرسالة أو تأليفًا. والثانية: لغة عامية، هي لغة السواد الأعظم من هذه الشعوب المستعربة، ولغة الخاصة حين يرجعون إلى الحياة الاجتماعية العادية بين الناس.
أقول: إن ذلك وغيره من أبحاث فقه اللغة وتاريخها، وحسبنا هنا أن نقف حيث نعيش، وعند نهاية هذه الأطوار لننظر في هاتين اللغتين، وماذا عسى أن يصل -أو يفصل- بينها وبين الأدب الرسمي، هذا الذي ندرسه في مراجعه المقررة،
1 / 9
ونحمل الطلاب على تأثره أو الانتفاع به، ونزودهم بالوسائل تعينهم على فهمه وتذوقه، وعلى الإنشاء الأدبي الصحيح.
٢- اللغة العامية هي لغة الحياة العامة، والتعاون الاجتماعي اللازم لسير الحياة السريعة ونظامها المطرد الشامل، وذلك لسهولتها وشيوعها، ولأنها القدر المشترك بين جميع الطبقات، فالكل يعرفها ويلجأ إليها في حرية ويسر، ولما كانت لغة الشعب ومن صنعه فقد أخضعها لحريته، وأزال عنها القيود العلمية والاصطلاحية وأعانها على أداء مهمتها كما تتطلب الحياة الجارية، فصارت لغة مرنة طيعة قابلة للتطور السريع، لا تنفر من لفظ دخيل، أو تركيب غريب، وإنما تقبله وتشربه روحها فيصقله الاستعمال ويصبح مألوفًا مقبولا، ومن الطبعي إذًا أن تختلف هذه اللغات العامية العربية باختلاف الأقطار والأقاليم وذلك لنفس الأسباب التي اختلفت من أجلها اللغات القديمة حين انفصلت من أصولها الأولى.
فأهل مصر لهم عاميتهم، وأهل العراق لهم عاميتهم، وكذلك المغاربة، كما أن لأهل الصعيد لغتهم العامية التي تخالف لغة سكان الشمال، الذين يختلفون هم أيضًا في عاميتهم، باختلاف الأقاليم، ومعنى هذا أن العامية توشك أن تكون هي اللغة القومية لكل قطر من أقطار الشرق العربي، تتأثر بجوه، وطبيعته، ومزاج أهله، وثقافتهم وأخلاقهم، وتعود بذلك سجل حياتهم الصادق وأقدر على تشرب روحهم وتصوير أفكارهم ونزعاتهم، حين عجزت الفصحى أو عجزوا هم عن أن يلبسوها من شخصيتهم ثوبًا قوميًّا طريفًا ممتازًا. لذلك نشأت هذه الدراسات الحديثة التي تعنى بالعامية فتقيد ألفاظها، ونحوها، ولهجاتها، وآدابها نظمًا ونثرًا، إما لأنها طور من أطوار التاريخ اللغوي والأدبي والاجتماعي، وإما لأنها قد تكون أساسا لهذه اللغات الإقليمية التي قد ينتفع بها فيما بعد كما يرى بعض المفكرين.
1 / 10
ومع ذلك لا تعد العامية لغة رسمية ولا يعد أدبها أدبًا رسميًّا يدرس على أنه مقرر يحتذيه المتعلمون لسببين اثنين:
أحدهما: شيوع الخطأ اللفظي والخروج على قوانين النحو والتصريف وعدم التحرج في قبول كل دخيل أو أعجمي من الألفاظ والتراكيب، حتى هجر فيها النحو العربي، وخضعت العبارات لصور أجنبية في تأليف الجمل، وتكوين الأساليب.
ثانيهما: ما غلب على معانيها من التفاهة والعرف، فأغلبها أوامر ونواه وأخبار عادية تتصل بالحياة الجارية، وتتكرر كل وقت، وكل يوم مما لا يستحق درسًا أو تقييدًا: والأدب يجمع بين أمرين:
١- صحة اللفظ.
٢- وقيمة المعنى أو سموه، حتى يستحق أن يسمع أو يقرأ في كتاب.
وليس معنى هذا خلو العامية من الألفاظ الصحيحة أو المعاني القيمة، كلا، فاللغة العامية هي الفصحى طرأت عليها أخطاء، ودخلت عليها تراكيب، لم تستطع أن تمحو صوابها كله، كذلك نجد فيها فنونا أدبية من النثر والنظم -كالجدل والحكم والأمثال والأغاني والمواويل والأزجال- تجعلها معرضا لكثير من المعاني والموضوعات الأدبية القيمة، ولكنها من الأدب الشعبي على أية حال. ولسنا بذلك ننكر قيمة هذا الأدب في جماله وتصويره حياة الشعوب لذلك قامت له دراسات خاصة تقابل دراسات الأدب الفصيح.
٣- أما اللغة الفصحى، التي لم تشوه بهذه الأخطاء اللفظية، فهي لغة الأدب الرسمي، يعتمد عليها الكتاب حين يريدون التعبير عن الأفكار أو تصوير الشعور؛ أو تأليف المسائل والآراء العلمية إذا كانت الفن الكلامي الذي يؤدي ما في النفوس من ثرات العقول ونوازع الانفعال والميول، فإذا حاولنا الظفر بمثال
1 / 11
للأدب بحثنا عنه في المؤلفات المدونة باللغة الصحيحة، مهما يكن نوع هذا الأدب خاصا أو عاما؛ وليكن قول المتنبي:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
وأن ترد الماء الذي شطره دم ... فتسقى إذا لم يسق من لم يزاحم
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم
فلا هو مرحوم إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
فأول ما يلقانا من هذا المثال هو "عاطفة" أو انفعال السخط والعدوان الذي سيطر على نفس الشاعر فأنطقه بهذه الأبيات القوية الثائرة التي حشد فيها الظلم والدم وأنكر الإنصاف والتراحم. وهذه العاطفة نفسها قد سندتها فكرة هي لها كالبرهان المنطقي، فالجهل حتى إذا لم ينفع الحلم، والجهاد الأحمر واجب إذا لم يكن منه بد لتحقيق الرغبات، فالحق للقوة، والناس لا يؤمنون إلا بالرهبة، والويل للضعيف إذا هان.
وهنا وقد ظفرنا بعنصرين من عناصر الأدب: العاطفة Emotion والفكرة Thought وبعد هذا نلاحظ أن هذه العاطفة القوية احتاجت في تصويرها هنا إلى عناصر وفنون بيانية من التشبيه، والاستعارة، والكناية، وذلك لعجز اللغة العادية عن تصوير القوة الانفعالية في نفس الشاعر فاحتال وكون من هذه العناصر الحربية لغة فنية هي كفاء ما في نفسه من شعور، فهذه الصور تؤلف عنصرًا ثالثًا هو الخيال Imagination وهو لازم في كثير من الأحيان للتعبير عن العاطفة.
وأخيرًا نجد العبارة اللفظية التي قد تسمى الأسلوب Style وهي الوسيلة اللازمة لنقل أو إظهار ما نفس الأديب من تلك العناصر المعنوية فصار الأدب ينحل إلى هذه العناصر الرئيسية الأربعة؛ وهذا التحليل نفسه يتوافر في النثر كما توافر
1 / 12
لاحق، والأدب فن إنشائي إيجابي ينتج هذه القطع الممتازة التي نظفر بها بصدق الشعور وحسن التفكير والتعبير، ولكن النقد فن وصفي سلبي في أصله، يقوم بمحاسبة الأدب المنشئ، وكثيرًا ما يستحيل فنًّا نافعا يرشد الأدباء كما تقوم بذلك البلاغة.
وقد زها النقد الأدبي منذ العصر الجاهلي وتواردت عليه فيما بعد جهود النحاة واللغويين والأدباء١، وألفت فيه كتب شتى تجمع مسائل مختلطة بغيرها من مسائل النحو والبلاغة والسير والأنساب. وكان الذوق هو الحكم الأول في ناحيته الفنية وإن حاول بعض المحدثين أن يضعوا له قوانين عامة تشبه القوانين العلمية٢.
٥- ولقد كان النقد الأدبي من أهم العوامل في إيجاد البلاغة وذلك أن هذه الملاحظات والأحكام النقدية أفادت جماعة العلماء فأحالوها قوانين وأصولا، ودونوها في فصول مختلطة بالنقد حينًا ومنفصلة أخيرًا، حتى كان أساسًا صالحًا لتكوين قواعد بلاغية قامت بوظيفتها فيما مضى وهي الآن آخذة في الاكتمال لعلها تنهض بالواجب عليها من الآن.
ومن يقرأ المؤلفين في هذا الباب من عهد الجاحظ المتوفى سنة ٣٥٥هـ، وابن المعتز ٩٣٦هـ، وقدامه ٣١٠هـ، والعسكري ٣٥٠هـ، وعبد القاهر الجرجراني ٣١٧هـ، والثعالبي ٤٢٩هـ، وابن رشيق ٤٦٣هـ، إلى الزمخشري ٥٣٨هـ، والسكاكي ٦٢٦هـ. يتراءى له مما قلنا من أن النقد كان عاملا هاما في هذا التقنين البياني: وأن هذين العلمين -أو الفنين- قد عاشا مختلطين لم ينفصلا إلا بعد جهد عنيف: وهذا الاختلاط بين مسائلهما طبعي ما دام موضوعهما واحدًا هو النصوص الأدبية من حيث توافر الجمال والتأثير. فالبلاغة ترشدنا بقواعدها
١ تاريخ النقد الأدبي عند العرب للمرحوم الأستاذ طه إبراهيم.
٢ أصول النقد الأدبي للمؤلف.
1 / 14