Al-Iʿtiṣām biʾl-islām
الاعتصام بالإسلام
Publisher
مطبعة اللغتين
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م
Regions
Algeria
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
الاعتصام بالإسلام
عمر العرباوي
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المتفرد بالبقاء والقهر الواحد الأحد الفرد الصمد ذي العزة والجبروت، والجلال والكمال، الذي لا ند له فيبارى ولا معارض له فيند عن حكمه، ولا شريك له فيمارى، كتب الفناء على خلقه وجعل ثواب الذين اتقوا الجنة وعقبى الكافرين النار.
أحمده على حلو القضاء ومره، وأعوذ به من سطوته ومكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها لم يزل عظيما جبارا قهارا قويا جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير وتقدس عن التعطيل وتنزه عن المثيل.
وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات وسلم تسليما كثيرا متصلا ما تعاقب الليل والنهار.
وبعد لم يشهد التاريخ عصرا كهذا العصر الذي نعيش فيه من حيث الهياج الفكري الذي استبد بالناس حول الدين، فكان في كل عقل بليال ووسوسة، وفي كل مجتمع تدافع وجذب، فدخل سلطان العقل على كل قضية من قضايا الدين، فلم يدع واجبا ولا خاطرا يمر في كيان الإنسان إلا أمسك به وعالجه معالجة الكيمائي، ونقده نقد الصيرفي حتى المسلمات التي رضي الناس بها واطمأنوا إليها فأدخل عليها الشك.
وقد كان للدين الإسلامي النصيب الأوفر من هذه الثورة الملحدة عليه، فأصبح الناس ينظرون إليه كآفة مزعج مقلق عائق عن التقدم، لأن هؤلاء (الملحدين) يقولون (الله خرافة، والدين وهم وخداع وعملية تخدير لسقام العقول، وضعفاء الأحلام، والمتدينون به جهلاء أغبياء واقعون تحت تأثير هذا المخدر) هذا بعض ما يقولون عن الدين، ولا يزالون يقولون إلى الآن وإلى
1 / 5
الغد، إنه لقول يدير الرؤوس ويزعج مواطن السكينة في قلوب المؤمنين.
أما العلماء المفكرون المنصفون من الأجانب فبحثوه بحثا دقيقا بحيث وضعوه تحت المجاهر الفاحصة، فوجدوه ميزانا. عادلا في الأخلاق والاستقامة والأحكام، والمساواة بين الناس مؤيدا للعقل سائرا على الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
الدين مبناه وأساسه على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهو عدل كله ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى القسوة وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الدين في شيء وإن أدخلت فيها التأويلات، الدين عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﵌ أتم دلالة وأصدقها، وهو نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي اهتدى به المهتدون، وشفاؤه التام الذي هو دواء لكل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهو قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح، به الحياة والغذاء، والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنه مستفاد منه وخاص به، وكل نقص في الوجود فبعدم الأخذ به ولولا رسم قد بقي منه لخربت الدنيا وطوى العالم، وبه يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله ﷾ خراب الدنيا وطي العالم رفع الله ما بقي من رسمه فالدين هو الذي بعث به رسوله الكريم وهو قطب الفلاح والسعادة في الدنيا والأخرى.
القانون الطبيعي للأمم هو كل أمة تستعمل ما أتاها الله من قوى الفكر والعقل إلا العالم الإسلامي فإنه اليوم خليط من بقايا موروثة من عصور الظلام بسبب جلب ثقافات حديثة من تيار حركة أوربية، وهي خليط لم تصدر - كما رأينا - عن توجيه، علمي مدروس مبني على أسس أخلاقنا وعوائدنا، وإنما هي مجموعة من رواسب قديمة لم تصف من طابع القدم،
1 / 6
ومستحدثات لم تتم تنقيتها، هذا التلفيق لعناصر من عصور مختلفة ومن ثقافات متتانية من أدنى غير ربط طبيعي أو منطقي يربط بينهما عالم متضارب منطوي على ألوان من التناقض والتنافر التي تجمعت وتراكمت في المسلمين اليوم لا هم شرقيون ولا هم غربيون، فهضم العناصر المستوردة يقتضي تميزا دقيقا وفكرا ناقدا يقظا محدد الشروط التي يلزم توافرها في الاستعمالات الضرورية أعني شروط توافقها وتفهمها ولياقتها، لقد وجد المجتمع الإسلامي الأول نسفه مرات كثيرة في مواجهة مشكلات من هذا النوع فحلها في كل مرة بطريقة واعية موفقة لا سيما حين حاول اختيار طريقة الدعوة إلى الصلاة، ففكر بعض الصحابة ﵃، في الجرس، أو البوق، أو إشعال النار عند وقت الصلاة، ولكن النبي ﷺ وصحابته قد اختاروا بعد تفكر وتأمل طريقة أصيلة في النداء وهو صوت الإنسان فنشأت حينئذ وظيفة المؤذن وبذلك تحاشوا مشكلة استيراد الأجراس وغيرها (١).
وهناك عادات وتقاليد كثيرة أخدها العالم الإسلامي الأول، كانت بعد اختيار مشدد، واختيار بين وسيلة وأخرى وبين الطرق والأفكار، فالخطأ الذي وقع فيه المحدثون ودعاة الإصلاح اليوم ناتج على أن كليهما لم يتجه إلى مصدر إلهامه الحق، فالإصلاحيون لم يتجهوا حقيقة إلى أصول الفكر الإسلامي كما أن المحدثين لم يعمدوا إلى أصول الفكر الغربي. يجب على العالم الإسلامي في هذا العصر أن يوفق بين العلم والضمير وبين الأخلاق والصناعة وبين الطبيعة وما وراء الطبيعة ولو أنه سائر في الطريق إليها يجب على المسلمين اليوم أن يمضوا قدما في طريق البحث والتحقيق والاكتشاف حتى يصلوا إلى جانب رقيهم الفكري والمادي وكل أمة تتقاعد عن السباق في حلبة الفكر والتعمق في العلم تصاب مع انحطاطها العقلي بالتقهقر والاضمحلال المادي كذلك ولما كانت الغلبة نتيجة القوى، والهزيمة عاقبة الضعف فإن الأمم المتخلفة من الجهتين المعنوية والمادية كلها تهبط في دركات
(١) الظاهرة القرآنية
1 / 7
الضعف والفتور، وتصبح صالحة للعبودية وأكثرها استعدادا للخنوع، إن المسلمين يعانون اليوم من هذه العبودية المضاعفة، فبعضهم توجد فيهم العبودية بنوعيها جميعا، وفي البعض الآخر يقل فيه جانب العبودية السياسية وتوجد فيه جانب العبودية المعنوية، ومن سوء الحظ أنه ليست لهم على ظهر الأرض رقعة إسلامية. واحدة مستقلة تمام الاستقلال من الوجهتين السياسية والمعنوية (١).
ويعتبر المسلمون اليوم أن الحق هو ما عند الغرب، والباطل ما يعده الغرب باطلا، والقياس الصحيح للحق والصدق والآداب والأخلاق والإنسانية والتهذيب هو ما يقرره الغرب، ولذلك أصبحوا يقيسون العقيدة الإسلامية والإيمان بالله ﷿، وأحكام الإسلام بمقياس الغرب، فكل ما يطابق منها مقياس الغرب يطمئنون إليه، أما ما لا يطابقه فيظنونه خطأ وباطلا.
وأن الغلبة والاستيلاء يقوم بنيانه في الحقيقة على الاجتهاد والتحقيق العلمي فكل أمة تسبق غيرها إليه تتولى قيادة العالم وزعامة الأمم وتستولي أفكارها على العقول، وأما الأمة التي تتخلف في هذا الطريق فلا تجد مناصا من اتباع الغير وتقليده إذ لا تبقى في أفكارها ومعتقداتها من القوة والأصالة ما يكسبها السيطرة على الأدهان فيجر فيها تيار الأفكار القوية والمعتقدات الراسخة التي تتقدم بها الأمة الباحثة المجتهدة، كان الفكر الإسلامي غالبا على أفكار النوع الإنساني بأجمعه وكل ما اتخذه الإسلام من المقياس للخير والشر والحسن والقبيح والخطأ والصحيح يكون مقياسا صحيحا عند جميع أهل الأرض.
كل الحضارات التي كانت على وجه الأرض ذابت بكل سهولة في الحضارة الغربية وتلونت بلونها بدون أن يقع بين هذه وتلك كبير احتكاك، ولكن المسلمين كانت حالهم غير حال تلك الأمم جميعا لأنهم حاملو حضارة مستقلة ذات دستور واضح متكامل شامل لجميع شعب الحياة الإنسانية من ناحيتي الفكر والعمل،
(١) مالك بن النبي
1 / 8
تختلف اختلافا كليا عن مبادئ الحضارة الغربية فكانت بطبيعة الحال - أن هاتين الحضارتين تتزاحمان في كل مجال.
وتصطدمان على كل صعيد، ولا يزال هذا الصدام قائما بين القوتين إلى هذا اليوم، يؤثر في كل شعبة من شعب حياة المسلمين العلمية والعقائدية أسوأ الآثار.
من القواعد الكلية التي أثبتها القرآن، أن الله تعالى ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ حتى يهلك أمة بلا سبب، وهي تعمل صالحا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١)، وليس المراد بهذا الهلاك أن تنقلب الأرض على أهلها، بل تتشتت الأمم وتكسر قوتها الاجتماعية، وتضرب عليها الذلة والعبودية والخزي، وحسب القاعدة القرآنية لا يصيب هذا العذاب أمة من الأمم إلا إذا تركت منهج الخير والصلاح، وأخذت تسلك مناهج الشر والفساد، والعتو والطغيان وبذلك ظلمت نفسها بنفسها، وأن الله ما ذكر أمة أصيبت بعذاب إلا وذكر جريمتها ثباتا لتلك القاعدة القرآنية حتى يتبين للناس أن وبال أعمالهم السيئة هو الذي يفسد دنياهم وآخرتهم ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ سورة العنكبوت، ولا يكون هو الفساد الفردي بل هو الفساد الجماعي فالعناية الإلهية هي التي تتصرف في هذه الأمة، ويبدأ المجتمع الفاسد في الهبوط من علياء عزه إلى درك الهوان حتى تحين الساعة التي يهيج فيها غضب الله فيدمرها تدميرا هذا هو سبب الهلاك، إذا أراد المسلمون أن يكون لهم نصر مؤزر وغير هزيل، ومصحوب بالدوام والاستمرار فيحافظوا على الإسلام، وعلى ما جاء به من الوحدة وغيرها، لأن توجيهات القرآن وإرشاداته صريحة في هذا المعنى، ومن خلال انتصار المسلمين في الماضي كانت موافقة لما أمر به القرآن الكريم رغم نقصهم في العدة والعدد، لأن هذه الانتصارات الرائعة التي وقعت للمسلمين على أعدائهم سواء كانت في الماضي
(١) سورة هود ﵇
1 / 9
أو الحاضر فهي وعد من الله للمسلمين إن هم داموا سائرين على خط الإسلام، فلا بد من تحقيق هذا الوعد قال: الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) فما بال المسلمين لم ينتصروا عدة قرون وهم منهزمون، أترى أن الله يخلف وعده كلا.
... فالله ﷾ يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وإنما المسلمون نقضوا الشرط الذي شرطه الله عليهم في الآية المتقدمة.
إذا تركت الشعوب الإسلامية الدين بعيدا عن حياتها، كما هو الآن - في أوطان المسلمين، ولم تجعله أساسا لشؤونها، فإنها لن تستطيع أن تقوم بنهضة قوية وعندئذ لا يقدر أي مبدأ من المبادئ المستوردة أن يوحد بينها، فتنا بها عوامل الضعف والتخاذل والتفرقة، وهذا ما وقع في الماضي، وكان السبب في سقوطها فريسة بين أيدي أعدائها، ولازال هذا التفرق إلى الآن بكل أسف.
الأمة الإسلامية - في تاريخها الطويل العريض - لم تحارب أعداءها باسم أي مبدأ من المبادئ الوضعية، وإنما حاربت باسم الإسلام ولهذا كانت تخرج من المعارك ظافرة ومنتصرة.
ونأتي بمثال واحد - من بين الأمثلة الكثيرة - شاهدا على ذلك يلمسه كل من باشر ثورة الجزائر الكبرى، حين وصل الإيمان بالله ﷿ إلى قلوب الشباب عن طريق الدعوة فسرعان ما تناسى حظوظه الشخصية واتحد، وبرز يكافح ويناضل، ويجاهد في سبيل الله في كل مكان لاسترجاع كرامته المهدورة وحقوقه المهضومة. وسيادته المغصوبة ولو دعى باسم مبدأ آخر خلاف الإسلام لما لبى النداء أبدا، ولهذا ضرب
(١) سورة النور
(٢) الروم
1 / 10
الأمثال الرائعة في الشجاعة والتضحية والفداء، فصمد في وجه أكبر قوة غاشمة، وهي قوة الغرب الطاغية المستبدة على شعوب العالم كما صمد أجداده من قبل في وجه الفرس والرومان.
ما هي إلا لحظات من لحظات الدهر الحاسمة، صبر فيها المجاهدون الأبرار حتى نزل النصر من عند الله، وتغيرت الأوضاع والمعالم، ولاذ الغاصبون بالفرار، ولم تغن عنهم قوتهم، ولا سلاحهم المتطور، بهذه العقيدة الربانية انتهى عهد الظلام بطلوع فجر صادق تتلألأ أشعته في الآفاق، .... كم كان يحمل جسم الأمة الإسلامية المثخن بالجراح من حصانة ومناعة ومقاومة على مر الأزمات والاحقاب، ولولا الإسلام لانقرضت هذه الأمة من الوجود كما انقرضت عاد وثمود في الزمن الغابر، وكيف تتقرض وهي من بقيت السلف الصالح، ومن حملة العقائد الصحيحة والمبادئ السامية .... كان قادة الثورة الجزائرية أيام حرب التحرير يحثون الشعب بصفة عامة والمجاهدين بصفة خاصة على تطبيق أوامر الإسلام والعمل بها واجتناب نواهيه، وكانوا يعاقبون كل من يتعد حدوده.
لقد أثار كفاح الجزائريين الهامدين ونيه النائمين والغافلين فكان المجاهد الجزائري حاضرا للعمل مهيأ للبذل والعطاء مستعدا للفداء مدربا على خوض المعارك معتزما الاستشهاد في سبيل الله حمل السلاح ومضى إلى ميادين القتال، فبدأ هجوماته على العدو بكلمة (الله أكبر) فكان النصر حليفه، لم يشهد العالم الإسلامي ثورة مسلمة مسلحة مثلها في العصور الأخيرة من عصور المسلمين أكثر ضحايا وأطول مدة لم تقتصر هذه الثورة على الجزائريين وحدهم، بل فتحت الطريق لشعوب آسيا وافريقيا لمحاربة الاستعمار الذي كان جاثما على صدرها ومند اندلاع الثورة في الجزائر، وهذه الشعوب تكافح وتناضل حتى تحررت نهائيا، ولما دعي الشعب الجزائري إلى الثورة، لم يعد كفاحهم هتافا
1 / 11
وتصفيقا بل كان عملا وتضحية ولم يعد جهادهم دعاية وتهريجا، بل كان فداء واستشهادا. وتعذيبا وتنكيلا، هذه الثورة كلفت الشعب الجزائري ثمنا باهضا من التضحيات الجسيمة فسقط ما يربو عن مليون شهيد في الاشتباكات على مستوى الوطن، تحت قنابل المدافع والنبالم والطائرات وأزيز الرصاص وعلى أعواد المشانق وشفرات المقاصل وتحت الهدم، أما العذاب الذي أنزل على رأس الأمة الغالب لم ينجو منه أحد، والتخريب ودك الدور والمنازل وهتك الأعراض والشرف فحدث عن ذلك ولا حرج.
وامتازت مقاومة الجزائر لجيش الاحتلال الفرنسي ببطولة نادرة لم يكن هذا الاحتلال نزهة عسكرية كما يقولون، بل اصطدم بأناس أقوياء في إيمانهم صلب في عزائمهم لا كما كان يظن الاستعمار أنهم أناس متأخرون وهذا ما شهد به قائد الاحتلال (الجنرال بيجو) قال: (إن العرب كلهم أهل حرب وبأس يخوضون غمار الحروب من الشيخ الهرم البالغ من العمر ثمانين سنة إلى الطفل البالغ خمسة عشرة سنة) واعترف المؤرخون الفرنسيون بشخصية الجزائر المسلمة كوحدة قومية تنتمي إلى المجموعة الإسلامية، وهذا ما شهد به المؤرخ الفرنسي (لورد ليو) في كتابه الجزائر وتونس قال: (إن فرنسا استولت سنة ١٩٣٠ على قطر عامر غني زرعا وذرعا يذود عن حوضه سكان عديدون يحبون الحرب ولا يعرفون للفشل ولا للملل معنى، إن هؤلاء السكان من جنس عريق استوطنوا افريقيا منذ زمن عتيق، توالت عليهم في هذا القطر قرون وأجيال، فهم أصحاب مدينة رائعة، يكونون هيئة اجتماعية منظمة، تتوفر فيها شروط الحياة والقوة، تعتز بوطنيتها كل اعتزاز، وبفضل أخلاقها وعاداتها ودياناتها، كانت تنفر من الاندماج إلى أي جنس ما، ومما يزيد في الطين بلة، هو دين هذا الجنس دين عزيز لا يغلب ولا يقهر، قوه دافعة جبارة يستمدها من بساطة مبادئه ووضوحها إلى غير ذلك من شهادة المؤرخين الأجانب.
1 / 12
كتبت عدة كتب عن الثورة الجزائرية، كان أكثر الكتاب غربيين من صحافيين ومؤلفين، تناولت بعض الأحداث الظاهرة في الثورة التي نجمت عنها. وعلى الحرب المدمرة وإبادة السكان وعلى العذاب والتنكيل، والقتل الجماعي الذى كان يستعمله الجيش الفرنسي، واندفاع الشعب الجزائري ومغامرته بحياته في هذه الحرب القذرة، وعلى المؤتمرات التي كانت تعقد في الشرق والغرب من أجل انتهائها، وعلى المناضل الجزائري وما كان يحمل بين طياته من شجاعة وعبقرية فذة، وصور إنسانية حية سليقة فيه، هذا كله تكلموا عنه لكنهم أهملوا العنصر الأساسي الذي قامت عليه الثورة، والذي أمدها بقوة غلابة وقادها حتى النصر النهائي، وسواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد؟ فالدين هو الذى كان سببا في جميع كلمة الأمة، وبعث فيها روح الجهاد والتضحية، وقادة الثورة جعلوه دستورا لها سارت عليه من بدايتها إلى نهايتها، ولولاه لما اجتمعت الأمة على مقاومة الاستعمار، والعالم كله يشهد بذلك، أفبعد هذا الانتصار الرائع يتنكر الشعب من بعد الاستقلال للإسلام ويتهمه بالرجعية وعدم مسايرته للتطور الحضاري؟ اللهم فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولما رأيت أن الكتاب عن الثورة لم يشيروا إلى الدين الذي هو عنصر فعال فيها لا من قريب ولا من بعيد، عزمت على أن أكتب على هذا الجانب الروحي الذي سرى تياره في هذه الأمة منذ زمن بعيد وما كادت تسمع صوته من الدعاة حتى صارت تتسابق إلى ميادين الجهاد - وإني أثبت الحقائق الناصعة في هذا الكتاب وأرفع الالتباس والغموض تحقيقا للواقع التاريخي، مبينا في ذلك للشعوب الإسلامية عامة وللشعوب العربية خاصة وموضحا للأجيال الصاعدة أنهم إذا حادوا عن الإسلام، ولم يجعلوه أساسا لحياتهم لم يكتب لهم النصر والتوفيق أبدا في هذا الوجود، ويبقوا تابعين لا متبوعين ...
1 / 13