343

Al-Madkhal

المدخل

Publisher

دار التراث

Edition

الأولى

Publisher Location

القاهرة

مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهِيَ شَفَاعَةٌ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَشَفَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ خَاصَّةً وَقَوْلُهُ، أَوْ شَهِيدًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَهُ بِالْمَقَامِ الَّذِي فِيهِ الْأَجْرُ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ لِشَهَادَتِهِ فَضْلًا فِي الْأَجْرِ وَإِحْبَاطًا لِلْوِزْرِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ سُكْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءَ بِهَا يَثْبُتُ لَهُ وَيُوجَدُ ثَابِتًا فِي جُمْلَةِ حَسَنَاتِهِ إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْرِ.
وَكَذَلِكَ «قَوْلُهُ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فَضِيلَةَ اسْتِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءِ بِهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى، وَهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِمَّا جَاءَ فِي الصَّائِمِ مِنْ قَوْله تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵊ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِذَا كَانَ لَهُ ﷾، وَهُوَ الْمُجَازِي عَلَيْهِ فَلَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَفِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ شَبَهٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِحُلُولِهِ ﵊ فِي الْبَلَدِ عَمَّتْ بَرَكَتُهُ لِجَمِيعِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا وَمَنْ لَمْ يُدْفَنْ فَبَرَكَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ مَعْلُومَةٌ وَكَذَلِكَ لِلْأَمْوَاتِ.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا» فَلَمْ يَكْتَفِ ﵊ فِي فَضِيلَتِهَا بِمَا بَيَّنَهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَوَّلَ الْحَدِيثِ حَتَّى قَالَ «مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثًا» انْتَهَى. وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا. ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى بَعْضِ سِرِّ تَكْرَارِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا إذْ أَنَّهُ ﵊ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَلْقَى أَمْرًا لَهُ خَطَرٌ وَبَالٌ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَمَا قَارَبَهَا وَمَا خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الْعَمِيمَةِ وَالْبَرَكَاتِ الشَّامِلَةِ الْعَظِيمَةِ إذْ أَنَّهُ ﷿ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعُزَيْرِ حَاكِيًا عَنْ حَالِهِ ﵊ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] فَمَا يَفْضُلُهُ ﵊ وَيَعْظُمُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ

2 / 36